السبت 8 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 يناير 2003 دشنت حركة (فتح) بانطلاقتها في الفاتح من يناير في العام 1965 ميلادية حركة التحرر الوطني الفلسطيني المعاصرة، وقد شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة، بهذه المناسبة، استعراضات ، ومظاهرات عارمة، لافتة للانتباه، أكدت على المكانة المركزية التي مازالت تحظى بها هذه الحركة في السياسة الفلسطينية وفي أوساط الفلسطينيين، برغم أنها باتت تعتبر حزبا للسلطة، بما لها وما عليها، وبرغم جنوح قيادة هذه الحركة نحو عملية التسوية بكل ما فيها من التباسات وتناقضات. وفي الواقع فإن الذكرى السنوية لانطلاقة حركة (فتح) لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد مناسبة لاطلاق الشعارات أو استنفار العصبيات التنظيمية أو الاتكاء على تاريخ البطولات، كما يجري في العادة، فهذه الذكرى ينبغي أن تتحول إلى وقفة للتأمل وأن تكرس للمراجعة والنقد لاستخلاص الدروس والعبر، للإجابة عن تساؤلات الوجود والمصير، من نوع: أين كنا وأين صرنا؟ أين أخفقنا وأين أصبنا؟ ولماذا لم نحقق ما نريد برغم عظمة التضحيات والبطولات؟ وما هو الطريق الأقصر والأقوم لتحقيق الانتصار في المستقبل؟ وذلك في سياق وضع الخطط والاستراتيجيات المناسبة لمواجهة التحديات الراهنة. على اية حال فإنها ومنذ انطلاقتها مثلت (فتح) حالة نقدية ونقلة نوعية للأوضاع السياسية والحزبية في فلسطين وفي البلدان العربية، من نواح عدة أهمها: 1 ـ تمثلها للوضع الفلسطيني: السياسي والاجتماعي والثقافي، حيث جاءت (فتح) على شكل حركة تحرر وطني ـ جبهة، مبتعدة في ذلك عن الصيغ الحزبية الضيقة، أو التي تعبر عن مصالح طبقية أو فئوية محددة، وفي ذلك تمثلت (فتح) حاجة الشعب الفلسطيني لحركة وطنية توحده وتعبر عنه وتقود كفاحه لا سيما أن هذا الشعب يواجه تحديات الاستعمار الاستيطاني ـ الاحلالي الصهيوني لأرضه فلسطين. 2 ـ عكست (فتح) واقع التنوع والتعددية في الحال الفلسطينية والعربية، لذلك فقد نأت بنفسها عن اعتناق أيديولوجية أو عقيدة معينة، فالفلسطينيون، على خلاف أيديولوجياتهم أو معتقداتهم الفكرية أو النظرية، بحاجة للتوحد على أهداف وطنية ـ سياسية، لا الوقوع في إسار الخلافات الفكرية العقيمة، والتي اثبت الزمن، بتحولاته ومتغيراته، عدم جدواها في الصراع من أجل التحرر الوطني. 3 ـ أعادت (فتح) القضية الفلسطينية إلى أحضان شعبها، بعد أن تاهت كثيرا في التوظيفات الضيقة للنظام الرسمي العربي ومزايدات الأحزاب وتهويمات الشارع (مسلوب الإرادة والفعل)، وهذه المسألة على غاية من الأهمية في ظروف اليوم، فبرغم أن القضية الفلسطينية هي قضية عربية بامتياز، بالنظر لاستهداف الكيان الصهيوني للأمة العربية في وجودها ومستقبلها، إلا أن درجة تمثل هذه الحقيقة في الوعي السياسي ـ الثقافي العربي لم يتجاوز حيز الشعارات والشعراء ولم يتمثل في الممارسات السياسية الاستراتيجية، ولعل سلبية الوضع العربي الراهن، على الصعيدين الرسمي والشعبي، برغم كل الاستفراد الإسرائيلي في البطش بالشعب الفلسطيني، لأبلغ دليل على ذلك. 4 ـ مزجت (فتح) بين كونها حركة ثورية وكونها حركة سياسية واقعية، لشعب مشتت يواجه عدوا فريدا من نوعه، وهذه الحركة أطلقت الكفاح المسلح ولكنها أولت العمل السياسي والدبلوماسي جزءا كبيرا من اهتمامها، وهي عملت على التخلص من وصاية الأنظمة العربية إلا أنها ظلت ترسخ العلاقة مع النظام الرسمي العربي الذي يهيمن على المجال الاجتماعي العربي، وهي عملت على تطوير العلاقة مع الاتحاد السوفييتي السابق ولكنها ظلت تعمل على تنمية العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وهي نحت نحو التسوية ولكنها لم تتخل عن حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية، كذلك فهي لم تنس مخاطبة مجتمع العدو (الإسرائيلي) بتبنيها مفهوم الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين كحل للمشكلتين الفلسطينية واليهودية اللتين خلقتهما الحركة الصهيونية. ولكن حركة (فتح)، مع الأسف، مثلها مثل كل الحركات التي يشتد عودها وتسيطر على السلطة، استمرأت موقعها القيادي والريادي في العمل الفلسطيني، واتكأت على تاريخها الكفاحي وعلى إمكانياتها وعلاقاتها ونفوذها، ولم تعمل على تنمية هذه المكانة وعلى تطوير هذا الرصيد، لتعزيز دورها والارتقاء في خطاباتها وأشكال عملها ووسائل نضالها، ويمكن تبين ذلك في الجوانب التالية: ـ إن مفهوم حركة التحرر الوطني ـ الجبهة لم يجر تطويره ولم ينضج بالتحول إلى ثقافة سياسية وتنظيمية لدى قيادات وكادرات وأعضاء الحركة التي باتت أشبه بتنظيم غير واضح المعالم، وغابت الحدود بين الأطر، وحتى أن الأطر القيادية (لجنة مركزية ـ مجلس ثوري) تكاد تكون غائبة، والأنكى من ذلك أن كثيرين من طالبي الوجاهة والجاه والنفوذ باتوا يجدون في هذه الوضعية مرتعا خصبا لهم على حساب العناصر الكفئة والتي تتمتع بمزايا نضالية وصدقية شخصية. ـ أيضا لم يجر إنضاج مفهوم التعددية والتنوع على شكل تعايش واضح وسليم وبناء بين التيارات المتمثلة أو المنضوية في (فتح) بسبب غياب العلاقات الديمقراطية المؤسسة وغياب علاقات التفاعل والتواصل الداخلية، لصالح العلاقات الأبوية والبيروقراطية، وهو ما أشاع الفردية والمزاجية في إدارة الحركة لأوضاعها ولنشاطاتها. ـ لم تطور (فتح) شعاراتها ومنطلقاتها ولذلك فهي لم تنتج خطابا سياسيا ـ ثقافيا، يعبر عن روحها كحركة تحرر، وبقيت هذه المسألة المهمة تخضع لتجاذبات واجتهادات متباينة في الحركة ما انعكس سلبا على توحدها وعلى توجهاتها السياسية، وهذا الأمر يتعلق بفهم (فتح) للمرحلية في العمل الفلسطيني وللعلاقة بين المرحلي والاستراتيجي ومفهوم الدولة الديمقراطية العلمانية، وإشكالية عملية التسوية، والعلاقة بين القطري والقومي، وأشكال النضال..الخ. ـ شكلت هيمنة (فتح) على منظمة التحرير الفلسطينية إشكالية كبيرة للحركة لم يجر التعامل معها بطريقة نضالية خلاقة، بسبب غياب العلاقات الديمقراطية وطريقة إدارة قيادة (فتح) للمنظمة، حيث عممت هذه القيادة طريقتها الفوقية والمزاجية في قيادة الحركة على طريقة قيادتها للمنظمة، ما أدى إلى تعويم أطر المنظمة وإضعاف مؤسساتها وشل فعاليتها. ـ بعد العودة إلى الداخل تحولت الحركة إلى حزب للسلطة وانخرط أعضاؤها في الأجهزة والمؤسسات، ولاسيما الأمنية منها، وباتت هذه الحركة مهددة بالتآكل بفعل عوامل متعددة منها. 1. اتهامها بأنها تخلت عن كفاحيتها بعد أن اتجهت نحو التسوية وبعد أن تماهت في السلطة. 2 : انتشار ظواهر الفساد والمحسوبية في إطار السلطة ما أثار الشبهات حول تنظيم (فتح) وأضعف من صدقية الحركة في الشارع الفلسطيني. 3: سيادة علاقات الأجهزة البيروقراطية على العلاقات التنظيمية. على أية حال فقد شكلت عودة الجسم الرئيس لحركة (فتح) إلى الداخل الفلسطيني مناسبة لمراجعة هذه الحركة لمكانتها ولدورها ولشعاراتها ولوسائل عملها وأشكالها التنظيمية، ولكن النقلة الأساسية التي استعاده عبرها هذه الحركة مكانتها ومصداقيتها النضالية، على الصعيدين الفلسطيني والعربي، تمثلت بجانبين أساسيين: أولهما، رفض القيادة الفلسطينية متمثلة بالرئيس ياسر عرفات، وهو زعيم حركة فتح، للاملاءات الاميركية والاسرائيلية التي طرحت في مفاوضات كامب ديفيد2 (يوليو 2000)، وهو ما شكل مفاجأة للعديد من الاوساط السياسية العربية والفلسطينية، التي ظنّت أن هذه القيادة أنهت دورها بانخراطها في عملية التسوية؛ وثانيهما، اضطلاع حركة (فتح) بدور كبير في التحضير لانتفاضة العام 2000 ما أعاد لها اعتبارها بوصفها الحركة التي تعبر عن مصالح عموم الشعب الفلسطيني والحركة التي تقود نضاله، ومعروف أن (فتح) أيضا تحملت مسئولية المبادرة للمقاومة المسلحة، التي تركزت على الأغلب ضد العسكريين والمستوطنين في الضفة والقطاع، وبرغم أنها جنحت لتنفيذ بعض العمليات الاستشهادية داخل الخط الاخضر، في محاولة للرد على البطش الاسرائيلي، إلا أنها ظلت متمسكة باستراتيجيتها الكفاحية المتركزة على المقاومة ضد الوجود الاسرائيلي في الاراضي المحتلة في العام 1967، باعتبار هذه الاستراتيجية الكفاحية تتماثل وتتكامل مع الاستراتيجية السياسية للحركة المتمثلة بدحر الاحتلال الاسرائيلي من الضفة والقطاع وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، في ظل الظروف والمعطيات الراهنة ولكن هذه الحركة، بالرغم من أهمية كل ما تقدم، وانطلاقا من موقعها المتميز في الساحة الفلسطينية مازالت مطالبة بتفحص أوضاعها وتطوير خطاباتها وبناها ووسائل عملها، ولاسيما من خلال: 1 ـ المبادرة إلى البناء على هذا الوضع الذي حققته، خلال العامين الماضيين، بتخليص الحركة من الشوائب والطفيليات العالقة فيها وتجاوز سلبياتها ونفض التكلس في بنيانها والتحرر من القيود التي تعيق تطوير خطاباتها السياسية وعلاقاتها الديمقراطية وأشكال عملها الكفاحية. بمعنى أن المطلوب إعادة الاعتبار للحياة التنظيمية على أسس مؤسساتية وديمقراطية، وتكريس علاقات التحاور والتفاعل بين أصحاب الرأي ووجهات النظر، والعمل على التخلص من كل علاقات الفساد والمحسوبية. 2 ـ الحذر من استمراء التماهي بين الحركة والسلطة، فثمة فرق بين استحقاقات السلطة واستحقاقات الحركة السياسية، والمعنى أنه برغم الدور القيادي للحركة في إدارة السلطة، إلا أن هذا الدور ينبغي أن يخضع للمراقبة والمحاسبة، حتى لا يتحول إلى عبء على الحركة وحتى لا يشل السلطة ويحتكرها، باعتبارها سلطة تعبر عن مجموع الطيف الفلسطيني. 3 ـ التوجه نحو صوغ علاقات سياسية فلسطينية قائمة على الندية والاحترام المتبادل والتعددية والقبول بالرأي الأخر ونبذ السياسات الاحتكارية والفوقية في العمل السياسي والقيادي، وذلك بتكريس العلاقات الديمقراطية واعتماد مبدأ التمثيل النسبي الذي يعزز من مكانة الأطراف الفاعلة والأساسية ويحفظ للأطراف الضعيفة مكانتها وحقها التمثيلي. 4 ـ تطوير ثقافة سياسية قادرة على استيعاب اشكالات القضية الفلسطينية وتعقيداتها، على قاعدة الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني ومراعاة متطلبات المرحلة وموازين القوى الراهنة. أخيرا لا شك أنه ثمة تحديات وتعقيدات كبيرة تواجه العمل الفلسطيني في هذه المرحلة، وعلى حركة (فتح) كما على غيرها من الحركات السياسية الحية والفاعلة في الساحة الفلسطينية العمل على دراستها على ضوء المصالح العليا للشعب الفلسطيني، بما يمكن هذا الشعب الصابر المناضل من استثمار تضحياته وبطولاته على شكل مكاسب وانجازات على الأرض. ـ كاتب فلسطيني