السبت 8 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 يناير 2003 تعود أن يحلق لحيته كل صباح في الساعة التاسعة والدقيقة السابعة والثلاثين بمياه دافئة.. حرارتها 30 درجة مئوية.. ليقوم بتسريح شعره في الساعة التاسعة والدقيقة الأربعين.. ليكون على باب بيته مستعدا للخروج في الساعة العاشرة تماما.. وفي يوم جاء خادمه المسكين بمياه حرارتها أقل درجة مئوية واحدة فكان مصيره الطرد من الخدمة واستبدل بخادم آخر يؤمن بفضيلة الوقت.. ويمشي على سيفه.. ولا يعبث به. كان الرجل في الأربعين من عمره.. طويل القامة.. وسيم الوجه.. رابط الجأش.. نظراته صافية.. واضحة.. لم يشاهد قط مظاهر الغضب الشديد أو المشاعر العنيفة بادية عليه.. يأخذ الطرق المؤدية الى المكان أو الغرض من أقصرها.. بطيئا في حركته.. في تعبيراته.. في ردود أفعاله.. لكنه في الوقت نفسه يتمتع بدقة مذهلة في كل شئ.. يؤمن بأن الثانية أهم من الدقيقة.. والدقيقة لا تقل قيمتها عن قيمة الساعة.. والسنة. على ساعة حائط كبيرة معلقة في غرفة الخادم وضع ورقة مدون فيها برنامجه اليومي من الساعة الثامنة صباحا.. وقت أن يستيقظ.. حتى منتصف الليل.. وقت أن يدخل فراشه.. وفي خزانة ثيابه كان يضع كل مجموعة متجانسة على شماعة واحدة يعطيها رقما يدل على الوقت المناسب لارتدائها.. وكذلك فعل بأحذيته.. وجواربه.. ومناشفه.. وأغطية فراشه.. ولم تكن هناك تعليمات خاصة بالطعام.. فهو يتناول طعامه في ناد خاص بالطبقة الارستقراطية دون أن يغير شيئا من موعده الى مقعده.. ودون أن يشاركه أحد فيه. لابد أن هذه الشخصية غريبة الأطوار قد مرت عليك.. أنا متأكد من ذلك.. ولكنك بالقطع نسيتها في زحمة الفوضى التي أصبحت سمة شهيرة في حياتنا.. وهي فوضى جعلت احترام المواعيد نكتة.. واحترام الكلمة سخرية.. واحترام النفس جريمة.. واحترام الذات جريمة.. واحترام الخصوصية نميمة.. أنا متأكد أنك تعرف شخصية فيليس فوج.. فهو بطل رواية شهيرة.. مثيرة.. قرأها بعضنا إعجابا.. وقرأها معظمنا إجبارا.. فقد كانت لسنوات طوال مقررة على طلبة المرحلة الثانوية.. رواية «حول العالم في 80 يوما».. كما أنها تحولت الى فيلم سينمائي.. ومسلسل تليفزيوني.. وتحقيقات مصورة جذابة نشرتها مجلة الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية: «ناشيونال جيوجرفيك».. إنها واحدة من أشهر الروايات التي لا يكاد يوجد شخص عرف القراءة والكتابة ولم يعرفها.. وليس هناك ما يمنع من تصديق أرقام الطبعات التي حظيت بها.. نحو 350 ألف طبعة بكل لغات العالم بلا إستثناء.. منذ نشرها أول مرة في عام 1873. ولو صدقنا برنارد شو عندما قال: «إن الرواية التي يقرأها مليون شخص تصبح رواية مقدسة لا يجوز المساس بها» لكانت هذه الرواية من هذا الطراز.. فقد قرأها ما لا يقل عن 250 مليون شخص. مؤلف الرواية هو «جول فيرن» وهو كاتب فرنسي الأصل.. ولد في مدينة «نانت» الفرنسية عام 1928 ودرس الحقوق مثل والده.. لكنه لم يعمل بالمحاماة وإنما مشى وراء موهبته الأدبية التي مارسها فور حصوله على شهادة الثانوية العامة «البكالوريا بلغة عصره».. لكنه رغم غزارة انتاجه لم تنل أعماله الشهرة الكافية إلا بعد أن نشر روايته «خمسة أسابيع في منطاد».. فكان أن وقع عقدا مع ناشره لمدة أربعين سنة لكتابة الروايات التي تقدم خلاصة المعلومات الجغرافية والجيولوجية والعلمية والتاريخية بأسلوب أدبي جذاب ومثير.. وتكشف عناوين رواياته ما فيها بسهولة: «رحلة الى محور العالم».. «من الكرة الأرضية الى القمر».. «عشرون ألف فرسخ تحت سطح الماء».. ورغم أنه كتب 63 رواية في 40 سنة «خلال الفترة ما بين احترافه الكتابة في عام 1864 ووفاته في عام 1905» فإن «حول العالم في 80 يوما» هي الأكثر شهرة بلا منازع. كان بطل الرواية «فيليس فوج» عضوا في نادي الاصلاح.. أكثر نوادي لندن عراقة.. ورصانة.. وأرستقراطية.. كل أعضائه لهم سجل حافل في الحياة العامة.. لكن.. «فيليس فوج» لم يكن أكثر من شخص مهذب.. لا علاقة له بشئ خارج ذاته وثيابه.. وقد نال عضويته في نادي الاصلاح بعد أن رشحته مجموعة بنوك كان يتعامل معها واعتبرته من أفضل عملائها.. ورغم ثرائه الواضح فإن لا أحد يعرف مصدر أمواله.. لكن.. من المؤكد أنه رجل يعشق الأسفار.. فهو يعرف كل شبر على سطح الكرة الأرضية.. ورغم براعته في لعب الورق فإنه كان يتصدق بما يكسبه على الفقراء.. وهو ما ضاعف من غرابة شخصيته.. فقد كان يقول: إنه يقامر كانجليزي متطرف ولكنه لا ينفق ما يكسب كمسلم متشدد. في نصف يوم جرى كل شئ على عجل.. طرد خادمه المهمل «جيمس فورستر» الذي قدم له مياه الحلاقة أقل درجة مئوية مما تعود واستقبل خادمه الجديد «جان بسبارتو» وهو فرنسي الأصل عمل في وظائف متنوعة قبل أن يفكر في الاستقرار مع سيده الجديد.. كان مغنيا ولاعب سيرك وأستاذ رياضة وجراحا وخبير إطفاء ومدير منزل لعشرة لوردات في بريطانيا.. وبينما كان يعبر عن سعادته بالاستقرار في بيت بسيط لكنه مريح كان سيده في النادي يقرأ صحيفة «التايمز» التي كانت قد أفرطت في نشر جريمة سرقة 55 ألف استرليني من بنك انجلترا.. وكان رأي الصحيفة أن اللص رجل نبيل غافل صراف البنك مستغلا توقيعه على إيصال بقيمة ثلاثة شلنات وستة بنسات وسرق رزم المال.. وأنه هرب بها خارج بريطانيا وهو ما جعل رجال الشرطة السريين يبحثون عنه في كافة الموانئ الرئيسية في المستعمرات الانجليزية.. وهو ما ضاعف من اهتمام الناس بالجريمة. كان رأي غالبية أعضاء النادي: إن اللص حسن الحظ.. فقد هرب خارج البلاد.. ويمكن أن يذهب الى أي مكان.. فالكرة الأرضية شاسعة.. وأطرافها بعيدة.. لكن.. «فيليس فوج» الذي تدخل في الحديث لأول مرة منذ انضم الى النادي اعترض على ذلك قائلا: «هذا كان صحيحا في الماضي البعيد».. فسألوه: «هل أصبحت الكرة الأرضية أصغر الآن؟».. فقال: «إن العالم أصغر الآن إذ أصبح السفر حول العالم أسرع بعشرة أضعاف ما كان عليه قبل مائة عام ولهذا السبب أقول إن عملية البحث عن اللص ستكلل بالنجاح».. وافق بعضهم على رأيه قائلا: «نعم يمكن للإنسان الآن أن يلف العالم في ثلاثة أشهر».. فقاطعه «فيليس فوج» قائلا: «بل في 80 يوما».. من لندن الى السويس بالقطار والباخرة في 7 أيام.. من السويس الى بومباي بالباخرة في 13 يوما.. من بومباي الى كلكوتا بالقطار في 3 أيام.. من كلكوتا الى هونج كونج بالباخرة في 13 يوما.. من هونج كونج الى يوكوهاما في اليابان بالباخرة في 6 أيام.. من يوكوهاما الى سان فرانسيسكو بالباخرة في 22 يوما.. من سان فرانسيسكو الى نيويورك بالقطار في 7 أيام.. ومن نيويورك الى لندن بالباخرة والقطار في 9 أيام.. والمجموع 80 يوما. وعبثا حاولوا مراجعته فيما يقول بدعوى تعرض البواخر لطقس ردئ مباغت يعطلها أو تعرض القطارات لهجوم من عصابات قطاع الطرق يوقفها.. لكنه أصر على أن حساباته دقيقة كشخصيته.. ومواعيده.. وكلماته.. فكان أن راهنوه على أن يقوم بهذه الرحلة.. فوافق على الفور.. قائلا: «إن الانجليزي الأصيل لا يمزح في أمور جدية مثل الرهان».. وشعر الآخرون بالفرح.. فما يقوله كان نوعا من الخرافة التي تحتاج الى ألف معجزة حتى تتحقق.. وهو بالقطع سيخسر الرهان.. وسيخسر كل ما يملك.. فقد كان الرهان بعشرين ألف استرلينيني.. هي كل ما يملك في البنك.. وفيما بعد تراهن الانجليز عليه.. هل يعود في الموعد أم يخسر كل شئ.. وعندما أعلنت الجمعية الجغرافية الملكية أن القيام بهذه الرحلة في هذه المدة ضربا من البلاهة جن الانجليز بالرهان عليه. قرر فيليس فوج - إثباتا لجديته - أن يبدأ الرحلة في الليلة نفسها.. وعاد ليفاجئ خادمه الجديد بما اتفق عليه.. ولم تكن المفاجأة سارة للخادم الذي كان قد وطن نفسه على الاستقرار.. وكانت دهشته مضاعفة عندما وجد سيده يدخل المنزل مخالفا القائمة التي تشير الى أنه يعود اليه قبل منتصف الليل بخمس دقائق.. وكاد «بسبارتو» أن يفقد وعيه عندما عرف بأنه وسيده سيغادران البيت بعد عشر دقائق ليبدأ رحلة حول العالم في ثمانين يوما.. وبحقيبة صغيرة فيها ملابس قليلة غادرا البيت ليلحقا بالقطار الذي يغادر لندن الى دنفر.. على أن يشتريا في كل بلد ما يحتاجان اليه من ثياب. لندن.. دنفر.. باريس.. روما.. أثينا.. السويس.. عدن.. بومباي.. كلكوتا.. سنغافورة.. هونج كونج.. يوكوهاما.. شنغهاي.. سان فرانسيسكو.. نيويورك.. دنفر.. لندن.. هكذا.. كانت خريطة الرحلة التي استغرقت بشق الأنفس 80 يوما.. وفي العصر الذي نعيش فيه.. عصر الطائرات النفاثة.. يمكن القيام بهذه الرحلة في أقل من 80 ساعة.. لقد وفرت ثورة الاتصالات الزمن بصورة مذهلة.. جعلت اليوم ساعة.. ولكنها حرمتنا من متعة المغامرة.. والتعرف على حياة الشعوب وعاداتهم بطريقة أفضل.. فكل شئ له ثمن.. إن الرحلة بالطائرة قد تنتهي قبل التعرف على جارك في المقعد المجاور.. لكن.. السفر بالقطار والباخرة قد يغير مصير حياتك.. فطول الوقت يسمح لك بمد جسور الود والتفاهم والعشرة بينك وبين الآخرين.. وربما وجدت امرأة أو مهنة تقنعك بالبقاء الى جوارها.. وربما وجدت نفسك في جماعة من البشر تعيد ترتيب نفسك القلقة.. المضطربة.. لكن.. المثير للدهشة إننا رغم سرعة السفر نشعر بالملل في الطائرات والمطارات.. فهل كان أجدادنا يشعرون به عندما كانت أسرع وسائل السفر هي بواخر وقطارات الفحم؟ إن بطل رواية «حول العالم في 80 يوما» لم يشعر بالملل.. فهو يندمج وسط الشعوب التي يزورها.. ويرصد عاداتها وغرائبها.. ويتعلم من تصرفاتها.. ويستمتع بمغامراتها.. كما أنه كان في سباق مع الطبيعة ووسائل النقل البدائية ليكسب الرهان.. وأكثر من ذلك كانت أوصافه تطابق أوصاف اللص الذي سرق البنك ويسعى للقبض عليه شرطي سري يطارده ويسافر ورائه من ميناء الى ميناء.. ومن مدينة الى أخرى.. وهو ما أضاف الى الرواية بعدا بوليسيا ضاعف من التشويق فيها.. لكن.. كل ذلك كوم.. وما فعلته مجلة شركة طيران «سويس إير» بالقصة والرحلة شء آخر. في عدد سبتمبر من المجلة التي توزعها الشركة على ركابها وضعت صورة مسجد من مساجد استنبول ليكون موضوع الغلاف عن هذه المدينة التركية الشهيرة التي تعيش بين عالمين.. آسيا وأوروبا.. فقدم في الشرق وقدم في الغرب.. وهو موضوع جذاب بكل المقاييس.. لكن.. ما لفت النظر داخل العدد هو ذلك التحقيق المصور الذي قامت به «لوسا زانيتي» للرحلة نفسها التي قام بها «فيليس فوج» في رواية «حول العالم في ثمانين يوما».. لقد حملت كاميراتها وأمسكت بالرواية ومشت ورائها وراحت ترصد بالصورة ما الذي تغير بعد 129 سنة مرت على هذه الرحلة.. وهي طريقة شهيرة لتجسيد ما كان.. سبق أن قامت بها بعثة من الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية لتصوير رحلة خروج اليهود من مصر.. ولتصوير رحلة العائلة المقدسة في مصر.. ولتصوير درب الأربعين بين مصر والسودان.. وطريق الحرير الذي يربط الصين بالشرق الأوسط.. وغيرها.. مما يجعل المتلقي يعيش بين عصرين.. أحدهما يمنحه الواقع والآخر يجعله غارقا في الذكريات. على أن المفاجأة في تحقيق مجلة شركة الطيران السويسرية هي أن الرحلة التي قام برصدها جول فيرن خرجت عن مسارها التاريخي والطبيعي عندما تحولت الى رحلة عصرية مسجلة بالصورة الفوتوغرافية.. كانت رحلة «لوسا زانيتي» على النحو التالي: لندن.. باريس.. روما.. أثينا.. اسرائيل.. الأردن.. بومباي.. مدراس.. كولمبو.. بوسنا.. ناجويا.. المحيط الباسفيك.. لاس فيجاس.. نيويورك.. المحيط الاطلسي.. ثم لندن مرة أخرى. لم تكن مصر على خريطة الرحلة الجديدة.. وضعت بدلا منها اسرائيل والأردن.. وهو أمر ملفت للانتباه.. ومثير للاستغراب.. فعندما بدأ بطل القصة الأصلية رحلته لم تكن على خريطة العالم ما يسمى باسرائيل ولا الأردن.. فهي أسماء جديدة على خريطة المنطقة.. الأردن دولة ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى.. واسرائيل دولة فرضت علينا بعد الحرب العالمية الثانية.. بل إن فكرة الدولة الصهيونية كما عرضها تيودور هيرتزل لم تكن قد ولدت بعد عندما نشرت رواية «جول فيرن»... فما الذي جعل مجلة الشركة السويسرية تزور التاريخ وتغير خرائط الجغرافيا؟.. ولو كان الأمر دعاية جوية للشركة فلماذا تجاهلت مصر وهي على خريطتها التجارية؟.. ولو كان الأمر علاقات سياسية فإن مصر على وفاق سياسي بدولة الاتحاد السويسري.. ولو كان الأمر علاقات عاطفية فإن المصريين يضعون نقودهم في مصارف جنيف وزيوريخ.. وتقدر هذه الأموال بما يزيد عن 120 مليار دولار.. كذلك فإن المصريين يفضلون البضائع السويسرية: الساعات والحلي والشيكولاته.. مثلا. لا أتصور تفسيرا لهذه الواقعة سوى إن الدعاية الاسرائيلية لا تجد فرصة صغيرة أو كبيرة إلا وتستغلها... لا تجد فرصة عابرة أو طائرة لتزوير الحقائق وتغييرها إلا وأمسكت بها.. وتعتمد اسرائيل في تنفيذ ما تريد على اليهود المنتشرين في أربعة أنحاء الكرة الأرضة.. فهم وإن لا يحملون جنسيتها السياسية فإنهم يحملون جنسيتها الدينية.. وحسب ما نقرأ في الكتب التي تخرج من جهاز المخابرات الاسرائيلية «الموساد» فإن كل يهودي عليه أن يؤدي لاسرائيل ما يطلب منه دون نقاش.. ولو كان ما يطلب منه مخالفا لما يعتقد.. لو طلب منه تأجير بيت لا يسأل عن السبب.. لوطلب منه نشر نعي لشخص على قيد الحياة لا يتوقف لمعرفة الدافع.. لو طلب منه تغيير عاصمة الولايات المتحدة الاميركية من واشنطن الى كوالا لامبور لا يتردد في أن يفعل ذلك في كل الخرائط التي تقع تحت يده. والحقيقة أن اسرائيل زورت كل شئ.. ونسبت لنفسها ما كان قائما قبلها.. فكل الفلكلور الفلسطيني اعتبرته ملكا لها.. رقصة الدبكة مثلا.. والأطعمة الشرقية الشهيرة مثل التبولة والفلافل واللبنة ايضا.. وكثيرا من كلمات اللغة العربية التي وضعتها في قاموس لغتها العبرية الجديدة الذي وضعته على عجل كذلك.. ولأن الأرض ضاعت ونهبت فإننا لم نتوقف عند رقصة أو أكلة أو كلمة.. لكن.. يبدو أن المسألة أكبر من ذلك.. فالاعتداء هذه المرة ليس على الحقوق العربية المستباحة وإنما على أشهر الروايات الأدبية العالمية المتاحة.. ومادام العالم صامتا.. ساكنا.. موافقا.. فليس أمامنا سوى الوقوف في طابور العزاء.. البقية في تاريخكم. ـ كاتب مصري