السبت 8 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 يناير 2003 بدأنا البارحة حديثنا معكم حول الحاجة إلى فتح الأبواب أمام النخب الفكرية والتربوية التي تزخر بها امتنا من المحيط إلى الخليج ، ليقوموا بأدوارهم التنموية في داخل المجتمع، ويختصروا على الناس كثيراً من الوقت والجهد الذي قد يبذلونه في سبيل الوصول إلى حلول عملية لمشاكلهم، وتعريفهم على آلية التغيير الايجابي للحياة وفق رؤية علمية واضحة، ومنهج عمل سلس وفعال، وقدرة على تكوين القناعات اضافة إلى الأسلوب الشيق المفعم بالحيوية والنشاط والحضور الطاغي للشخصية العلمية التي تقدم إلى الجمهور كبرهان على المواطنة، وصدق الانتماء إلى الهوية والمعتقد. وهو الأمر الذي وجدته حاضراً في أذهان الاخوة المسئولين عن نادي الثقة لرعاية المعاقين والذي تجسّد من خلال المشاركة القوية للدكتور مصطفى أبو سعد رئيس تحرير مجلة «الفرقان» والطبيب النفسي والمدرب الشهير الذي أمتعنا طيلة خمسة أيام متوالية ببرنامجين تدريبيين كان لهما الأثر الايجابي في نفوس المشاركين والمشاركات الذين تفاعلوا مع كلماته المؤثرة ومع عرضه الجذاب الذي توفرت فيه كافة مقومات النجاح والتميز، الأمر الذي استدعاني لتوجيه سؤال مباشر له: لماذا يستمتع الناس بالدورات الجماهيرية اكثر من استمتاعهم بالمحاضرات؟ وبالطبع كنت استبطن الجواب في نفسي وأعلمه، لا من خلال رؤية فوقية أو ترف ذهني أو معلومة تلقفتها من كتاب ثم اجتهدت في حفظها لأستعرض قدرتي على استدعاء المعلومة والبصم وتكرار ما تلتقطه عيناي على صفحات الكتب، وإنما من خلال معايشة واقعية وتجربة شخصية كنت فيها محاضرة لسنوات وشاركت بإلقاء العشرات من الدورات التدريبية ولامست عن قرب الفرق في النتائج بين الاثر الكبير الذي تتركه الدورات في نفوس المشاركين مقارنة مع الاثر المحدود الذي تتركه المحاضرات في نفوسهم. وهنا أدعو القارئ الكريم ان يشاركني في تقديم الاجابة عن هذا السؤال قبل ان ألتقطها من الدكتور مصطفى أبو سعد، وذلك ليس من باب اختبار معلومات القارئ التي اثق بها، ولا من باب الدخول في مباراة ذهنية للاجابة عن هذا السؤال الكبير، ولكن لأن الاجابة تحمل في طياتها قيماً كبرى غابت مع الأسف الشديد عن جمهور المنظرين والمسيسين لقضايا الثقافة الذين جلسوا خلف الكراسي والطاولات يقرأون ويقرأون ثم يعيدون كتابة ما قرأوا دون ان يسألوا أنفسهم عن مدى فائدة ما يصنعون، وعن جدوى ما يكتبون ويقولون. هل هو في اطار مصلحة الناس أم انه لا يعدو ان يكون ترفاً فكرياً فاقداً للانتماء إلى تراث هذه الأمة، وغريبا عن همومها وقضاياها الكبرى. ان الفرق بين الترف الذهني وبين العلم الذي يخدم الناس هو كالفرق بين الموت والحياة، وبين العدم والخلود، وبين النوم واليقظة، وبين السبات والاستفاقة، وبين الحق والباطل، وبين الصحة والمرض، وبين القدرة على العطاء، والعجز عن تقديم الخدمة إلى الآخرين وبين الانطلاق بالمعرفة إلى العقول الحية والانكفاء على المعرفة إلى حين الدخول إلى القبر. ان هذه المعرفة الهشة والتي يغلب عليها التصنع تصيب القارئ العادي بعسر هضم غير قابل للشفاء السريع إلا بإزالة تلك المعلومات البائدة من العقل، وتطهير البيئة الداخلية للانسان من آثارها المضرة بالصحة العقلية والنفسية معاً. ذلك انها من النوع الذي يهدم عقل صاحبه قبل سواه، ويهدم روحه قبل ان تُضعف من روح القارئ أو السامع لتلك الأفكار، وقد أدى فقدان شعور أولئك المثقفين برداءة الافكار التي يملكون إلى نقص احساسهم بهبوط قيمة ما يقدمون للناس من انتاج فكري أكل الدهر عليه وشرب، والمؤسف انهم ما عادوا يعترفون ان حضورهم أصبح كالغياب، وأن عطاءهم أصبح كالسراب، وان كلماتهم طارت بها الرياح إلى وادٍ غير ذي زرع بعد ان فقدت قدرتها على التواصل مع حاجات الناس أو الاضافة إلى رصيدهم من المعرفة شيئاً يستحق الذكر والعناية. كانت هذه ـ أيها الأخوة والأخوات ـ هي شهادتي على سبب نجاح الدورات الجماهيرية الهادفة مقارنة بالمحاضرات الرسمية التي يغلب عليها التصنع والتكلف والخروج عن المنطق، وكانت هذه نصف الاجابة، أما الاجابة الشافية فأتركها إلى الدكتور مصطفى أبو سعد ليتولى الحديث عنها باسهاب في الغد بإذن الله