السبت 8 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 يناير 2003 وقف أحد الزملاء مندهشاً خلال افتتاح مبنى مؤسسة العويس الثقافية الجديدة في دبي، وقال: هذا فندق وليس مركزاً ثقافياً، وكان الزميل يشير اشارة ضمنية إلى جمال البناء وحسن هندسته وبذخه ووفرة مساحته. ولأن المثقف (أياً كان) يتعامل مع الثقافة كمفردات رديفة للفقر وقلة الموارد وشح الصرف على الشأن الثقافي، فقد جاء هذا التعليق بهذه الغرابة وهذا الاندهاش! لقد اعتاد المثقفون ارتداء ثياب رثة أو مصادقة الشوارع الخلفية والجلوس بلحى نابتة في مقاهٍ رخيصة، حتى لو كان ذلك المثقف ليس معدماً ـ كما هو الحال دائماً ـ بل أحياناً يقوم المثقف بعملية انسلاخ طبقي رافضاً نعيمه مصراً على الانتماء إلى عالم لا يعرفه ولكنه يعتقد انه عالم الثقافة والانتاج والابداع. هذا خطأ كبير، لأن الثقافة تعني حضارة، ومن مفردات الحضارة الأناقة والنظافة والجمال، لذلك نقول إن وجود مؤسسة بهذا الجمال وهذه الأناقة في دبي هو انتصار حضاري، لأنه في الوقت الذي يتسارع الناس إلى افتتاح المؤسسات الربحية والأسواق المدرة للأموال، تسعى جهة ثقافية إلى استثمار وجودها في حقل معرفي خدمي يقدم للناس المعرفة ويساعدهم على البحث والتطوير، ولعل أبرز اشارة إلى أهمية هذا الحدث تجلّت في الحضور الرسمي للفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع، شاعراً ومسئولاً وطنياً داعماً للثقافة كإحدى مفردات التطور والتقدم، وجاء اختيار شارع الرقة الشهير اختياراً ذكياً لأنه يمور بالحركة السياحية والتجارية ووجود مؤسسة ثقافية في وسطه سيكون دافعاً قوياً لارتياده من قبل الناس عامة. إذن الثقافة ليست رديفاً «للبهدلة»، بل هي عنوان رقي وتقدم، ويمكننا بمقارنة بسيطة أن نقول إن أرقى الأماكن التي يذهب اليها الناس في باريس هي متحف اللوفر، وإن مسارح برودواي في أميركا هي وجهة السياح، وان المرء ينتظر في اللائحة لمدة ستة أشهر ليحضر عرضاً راقصاً لفرقة البولشوي في موسكو. فعندما تتأسس الثقافة بشكل صحيح وتضخ في عروقها دماء حقيقية تصبح مصدراً للسعادة والثراء، ويكفي القول ان متحف الأرميتاج في موسكو دخله السنوي يعادل دخل بلد في آسيا الوسطى. هذه الحقائق قد لا يعرفها البعض لأن صبغة المثقف ارتبطت بأشخاص امتهنوا العيش الكسول الرخو والسلوكيات البعيدة عن الآداب العامة والاساءة للابداع عموماً بطرائق شتى، بعضها مظهري وبعضها داخلي، حتى بات ذكر المثقف يثير ردوداً سلبية. بينما يذكر التاريخ ان المثقف أعلى درجة تراتبية في الشأن الاجتماعي، وكان الرسام والشاعر والكاتب والمغني يطمحون ليكونوا مثقفين، وهذا يعني خطأ الاعتقاد ان المبدع مثقف، أبداً.. المبدع مبدع، والمثقف مثقف، والمفهوم السائد لربط الابداع بالثقافة ليس صحيحاً، فالشاعر موهوب بالفطرة، لكن المثقف ليس فطري الموهبة، بل شمولي المعرفة، وعليه كان السعي دائماً ليكون الانسان مثقفاً سعياً مستمراً حيث يتعلم اللغات وأصول الغناء وقواعد الرقص ومعرفة المدارس الفنية وحفظ أشعار مختارة لشعراء كبار وغيرها من التفاصيل التي تجتمع في المرء ليكون مثقفاً أو كائناً حضارياً، وطبيعي جداً أن تترافق الثقافة بمفهومها الحقيقي بكل مفردات الحضارة، وهذا لا يدفع للدهشة فقط، بل للإعجاب ايضاً، حيث تتحوّل الهوامش إلى مراكز اشعاع، وها هو مبنى شاهق في دبي يشع حضارة ومعرفة في كل المنطقة العربية.