الجمعة 7 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 10 يناير 2003 مواقف كثيرة نمر بها ونحن نعبر نهر الحياة الى الضفة الأخرى، نرمي ببعضها في لجة المحيط دون أسف، ونحفظ بعضها في بيوت الذاكرة، ومع الأيام تتحول المواقف والتذكارات إلى حكايات .. بعضها مسلٍ، وبعضها غير ذلك، وحتى ما كان منها مسليا فانه يترك بصماته على قلوبنا ويغوص في دواخلنا معلناً شهقة الحياة في دمائنا بجمال نادر. عبر بوابة الحياة تمضي برفقتنا وجوه ومواقف وحكايات، تقودنا غواية الحياة الى مناطق تختلط فيها الرتابة بالغرائبية، والملل بالاسطورة، ويتمازج زمان كان ماضيا يستظل اليوم بالغد ليكون مستقبلا ذات يوم في مكان ما!! في مكان ما من مدينة دبي تقودنا خطواتنا الى شوارع ضيقة، مليئة بوجوه لا تمت للون المدينة القديم، لكنه صار وجهها اليوم بعد ان ضرب الطوفان المدينة .. نعبر شوارع مرصوفة بحجارة يطلق عليها (انترلوك) فنعتقد بوجود صلة قرابة بينها وبين (الانترنت) لكننا نمضي غير عابئين بهذه المفارقة، ذلك ان مفارقات الحياة اشد تعقيدا من مفارقات الاسمنت!! نمضي في سيرنا فتصادفنا دكاكين قديمة متراصة، بواباتها خشبية عتيقة الطراز ذات مسامير ضخمة مدقوقة فيها للزينة وخلف هذه الابواب تختبيء حوانيت ضيقة تحوي بضائع جاء أغلبها من أقصى شرق العالم .. وعلى حواف الحانوت رصّ البائع الآسيوي بضاعته كيفما اتفق، وعليها تجمع بشر يقلبون البضاعة ويتحدثون بلغات عجيبة، لكنهم في النهاية يمضون دون ان يشتروا شيئا، فيما تعلو الدكان لوحة خشب انيقة كتب عليها بخط عربي جميل (ارض النجوم للتجارة)!! ونسير بلا هدى، نخرج من السوق المسقوف حيث المحال التجارية تبيع ما لا حاجة لك به، الى دكاكين مفروشة في العتمة والضيق، تبيع مأكولات آسيوية في خزائن زجاجية كبيرة مفتوحة، وبمجرد ان تمعن النظر في البائع وفي يديه اللتين تعبثان في الطعام الذي يعرضه عليك حتى تسارع في الخروج مستجمعاً قواك على احتمال حالة الغثيان المفاجيء!! تخرج من ضيق هذه الدكاكين، باحثا عن هواء نقي يطرد من انفك روائح الزيت المحروق والبصل والبهارات الهندية .. تسرع، تقودك خطواتك الى حيث تفاجأ بزرقة البحر ورفوف النوارس، ورائحة البحر الممزوجة بديزل العبّارات الراسية على حافة الخور .. اذن انت أمام خور دبي بكل تجلياته وتناقضاته الجميلة .. عن يمينك ديوان الحاكم .. وحي البستكية القديم، وامامك تلوح على البعد مكتبة دبي العامة وبناية الاحمدية .. وعن يسارك منطقة الشندغة التراثية. في الطريق وقبل ان تجلس الى ذلك المطعم الذي تصدح فيه الاغنيات والموسيقى الايرانية، تتذكر انك مررت برجل عجوز يفترش الرصيف، ويصفّ امامه بضاعة لا تدري مدى اهميتها .. خواتم ونقود قديمة، خرز ملون، سبحات، بطاقات هواتف مستخدمة، علب فارغة، قطع كراتين متراكمة ... زجاجات فارغة، اصداف بحرية . ولا شيء يمكن ان تشتريه على الاطلاق!! نستمع اليه وهو يدير حوارا مع سيدة، ثم يناولها قطعتي حجر ـ يقول بأنهما من عقيق اليمن ـ وبأنهما ستجلبان لها الحظ .. وبينما انت تتأمل «فرشته» ومحتوياتها .. تسأل الرجل الجالس على كرسيه المتهالك وكأنه شخص آتٍ من عالم آخر: كيف تحفظ بضاعتك آخر النهار؟ يجيبك: اتركها على الارض مغطاة بالكراتين، تسأله: ألا تخشى ان يسرقها أحد؟ يجيبك بفلسفة صعاليك عروة بن الورد: وماذا فعل بالذين يسرقون؟ انهم قوم اذا جاعوا سرقوا، واذا سرقوا جاعوا، يدهشك حقا ـ تدهشك فلسفته. تقف امامه قليلاً ثم تمضي الى اماكن اخرى يسرق فيها الناس أوطاناً دون ان يكونوا جائعين ابداً!!