الجمعة 7 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 10 يناير 2003 الانترنت ثورة في تاريخ البشرية مثلها مثل أشياء أخرى كثيرة اخترعها واكتشفها هذا الانسان، لو لم توجد لظل تاريخه ناقصا، متخلفاً. فلا أحد اليوم يتصور شكل الحياة من غير انترنت مثلا. Google هو الآخر ثورة داخل ثورة الانترنت لولا هذا المحرك والمستكشف الساحر لكان عالم الانترنت أكثر تعقيداً، لا يخدم او يستهوي الجميع. فلا يمكنك انه تبحر وتتحرك في هذه الشبكة الواسعة وان تحصل على ما تريد، متى ما تريد بسرعة ودقة. سيضيع يومك وستتفتح امامك عوالم وبوابات وستتشابك امامك الطرق، ستجد متشابهات وملحقات، سيرتفع ضغطك، ويصيب عينيك او عدساتك الاحمرار والوجع، وستشعر بالغضب والفشل، وستلعن الكمبيوتر ومخترع الانترنت، لكنك لن تصل إلى ما تريد، وقد تحصل على أشياء أخرى لا تريدها، قد تنسيك الذي كنت تبحث عنه. هذا قبل اختراع Google، اما بعد تاريخ اكتشافه وتطويره وتقديمه لكل العالم وبكل اللغات الرسمية او حتى الشعبية، اصبح للانترنت مذاق آخر وسحر لايقاوم، بل أصبح له رواد ومريدون لم يكن ليجذبهم أو يرغبون حتى في التعرف عليه يوما ما، إنهم اليوم أحد زبائنه والمدمنين عليه. هذا المستكشف الساحر وسع من نطاق المبحرين في هذا العالم، وزاد من فوائد هذه الشبكة ورسم آفاقاً وخيالات، وأتاح أفكارا ومشاريع وبرامج للذين يقبلون عليه. فكيف جاء هذا الـ Google؟ مثل كل المخترعين والمغامرين العباقرة، كانت مجرد فكرة في رأس طالبين يبلغان من العمر اثنين وعشرين عاما هما «لاري بيج» و«سيرغي برين» جمعتهما مقاعد الدراسات العليا في جامعة ستانفورد. فكرا ان يكون مشروعهما للحصول على شهادة الدكتوراه في علوم الكمبيوتر عن الانترنت. واختارا موضوعا يدور حول فكرة البحث على الشبكة. واستهوتهما العملية اكثر، فكانت أكبر من مشروع دراسة ولقب دكتوراه، اصبحت حلما مرهقا لكنه جميل وواسع في مداه وخيالاته. كان ذلك في بداية التسعينيات، قبل سبع سنوات تحديدا، وقررا ان يبدآ مشروعهما التجاري وحلمهما المغامر. كانت البدايات تجارب محدودة ورواداً أكثر، اقبلوا على هذه الخدمة الجديدة، فتشجعا وقررا تأسيس الشركة، وطرحا المشروع الصغير يبحثان عن تمويل مادي، ووجدا بسرعة الشركات والتجار المبادرين للدعم والمشاركة. توسع هذا المشروع في سنوات محدودة لينتشر بسرعة جنونية نظرا لمزاياه البحثية ومجانيته، وليكون واحدا من أربعة أشهر مواقع للأنترنت في العالم. Google هذا الذي يحمل الطموح والجنون معا، والذي يعني اسمه المصطلح الرياضي للعدد واحد باللغة الانجليزية يليه مئة صفر. يتحدث اليوم 86 لغة، أحدثها العربية التي اخذ يتحدثها بطلاقة وقوة. وكل يوم يقوم هذا المحرك بمئة وخمسين مليون عملية بحث. صدقوا 150 مليون عملية كل يوم! هذا الـ Google يزور كل يوم ايضا اكثر من ثلاثة بلايين صفحة موجودة على شبكة الانترنت وبمختلف لغات العالم، يستكشف جديدها ويبحث فيها. وتملك هذه الشركة اكثر من عشرة آلاف كمبيوتر خادم، وتقوم بحفظ هذه الصفحات والمعلومات، تظل مخزونة فيه، حتى لو اختفت عن الشبكة ومسحت الموضوعات المنشورة او حتى غاب الموقع نفسه. وما عادت Google للمعلومات والنصوص فقط، وانما ادخلت خدمة الصور، فيمكنك ان تبحث وتخزن صوراً عالية الجودة من هذا الموقع. ولم يكتف بذلك بل ادخل خدمات رؤوس الموضوعات، وايضا غرف الدردشة وتصفح منابر الحوار والموضوعات الواردة فيها. وخصص مباحث لكل المجموعات في كل الموضوعات والفنون من التجارة والمعلومات الاستهلاكية إلى القضايا الاجتماعية والثقافية. كل ما تريده والذي كان يستغرق ساعات وأياماً وتعقيدات وعقبات تحصل عليه بتوسع ودقة في اقل من ثانية واحدة. قبل Google كانت هناك عشرات المواقع التي تقوم بخدمات البحث. وجود مثل هذه الخدمات الشبيهة كان كفيلا بانهاء الفكرة في رؤوس اصحابها قبل ان تولد، وامامهما البحث عن بدائل وافكار جديدة، لكن روح المغامرة والتحدي عند بيج وبرين لدخول السباق والتميز فيه، وايضا الفوز به، كتب لهما التفوق واعطاهما القوة والثقة. والنجاح له مقومات واحتياجات، لا يولد من فراغ. هذا درس مهم لابد ان تتعلمه بلداننا العربية. فهذه البلدان فيها اذكياء وعباقرة، لكنها بيئة طاردة محبطة، لا تعرف كيف تستفيد من عقولها. عندما نسمع عن بعض العلماء والادباء والمشاهير في شتى أنحاء هذا العالم، ونطالع اسماءهم او نهايات ألقابهم ذات الجذور العربية. يصيبنا الفرح لنجاحها والحسرة على انها ابدعت وتألقت وانتسبت إلى وطن غير وطنها. لكنها لو ظلت في هذا الوطن ما كان لها ان تبدع.. او حتى ان تحلم بذلك!