الجمعة 7 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 10 يناير 2003 الحرب الأميركية ضد كوريا الشمالية انتهت عام 1953 بعقد هدنة ـ وليس اتفاقية سلام ـ لاتزال سارية حتى يومنا هذا. ولو كان باستطاعة الولايات المتحدة استئناف الحرب ضد هذه الدولة الماركسية دون ركوب مخاطرة جسيمة بحسابات الحياة أو الموت لما انتظرت لمدى نصف قرن حتى الآن. فلماذا تتهيب واشنطن اي تحرك يمكن ان يقودها إلى مصادمة حاسمة مع كوريا الشمالية كما نرى الآن؟ ان الاجابة عن هذا السؤال تتكون من ظرفين زمانيين: مرحلة الحرب الباردة حينما كانت «جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية» ـ الاسم الرسمي لكوريا الشمالية جزءا من المعسكر الاشتراكي السوفييتي، أي الفترة الزمنية حتى مطلع عقد التسعينيات، ومرحلة ما أطلق عليه «النظام الدولي الجديد» كناية عن إنفراد الولايات المتحدة بدور القوة العظمى الوحيدة بعد انهيار المعسكر السوفييتي. خلال مرحلة الحرب الباردة ما كان بوسع الولايات المتحدة شن حرب على كوريا الشمالية دون ان تخاطر باحتمال وقوع صدام مع الاتحاد السوفييتي والصين معا. ونذكر انه خلال تلك الفترة ورطت الولايات المتحدة نفسها في صدام مع دولة اشتراكية اخرى ـ جمهورية فيتنام الديمقراطية وبالدعم السوفييتي والصين استطاع الفيتناميون ان يلحقوا بالأميركيين هزيمة تاريخية حاسمة. ولذا ما كان بوسع الولايات المتحدة دخول حرب مع دولة اشتراكية ثانية دون ان تخاطر بوقوع صدام مكشوف ومباشر مع الاتحاد السوفييتي. وربما يقال ان كوريا الاشتراكية أصبحت هدفا سهلاً من المنظور الأميركي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات. غير ان الولايات المتحدة اكتشفت ان كوريا الشمالية تحولت في هذه الاثناء ـ ما بين نهاية الحرب الأميركية الأولى ضد الشمال قبيل منتصف الخمسينيات ونهاية الحرب الباردة ـ الى دولة نووية. ومنذ ذلك الحين ـ اي مطلع التسعينيات ـ ظل الهاجس الأكبر للولايات المتحدة في منطقة جنوب شرق اسيا هو كيفية التعامل مع كوريا الشمالية في عهد ولايتي بيل كلينتون وولاية جورج بوش الابن الراهنة. ومع بقاء الهدف الاستراتيجي الأميركي ـ وهو تجريد كوريا الشمالية من قوتها النووية ـ ثابتاً إلا أن السياسات الأميركية تضاربت واضطربت الى حد التناقض ما بين «الاسترضاء» و«الاحتواء» و«العقاب».. و«العزل المفصل». ولكن لماذا تصر الولايات المتحدة على تحييد القوة النووية لكوريا الشمالية؟ هناك أولا العامل الايديولوجي. فالسلاح النووي يضفي على كوريا الشمالية هيبة وبأسا وكأنها قوة عظمى. وليس من صالح الولايات المتحدة أيديولوجية ان يكون لدولة اشتراكية ماركسية معادية للنظام الرأسمالي العالمي هذه الصورة الدولية القوية بينما لا يكون لكوريا الاخرى الجنوبية ذات النظام الرأسمالي مثل هذه الهيبة. بالاضافة الى ذلك هناك أسباب استراتيجية عملية. واذا اعدنا الى الاذهان ان كوريا الشمالية تنتج ايضا الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى فان ما تخشاه الولايات المتحدة هو ان تصبح كوريا الشمالية مصدر تسليح نووي وصاروخي لدول أخرى. إن كوريا الشمالية كمصدر تسليح لصواريخ طويلة المدى لدول اخرى، ربما يعقبه تعاون نووي، قد تشكل خطرا غير مباشر على أمن اسرائيل، وقد رأينا ولانزال نرى كيف خلقت واشنطن ضجة عظمى بشأن مبيعات صواريخ كورية الى ايران يمكن ان تطال اسرائيل. وهذه الضجة مبعثها ايضا ان العلاقة الكورية مع ايران قد تتطور الى مستوى تعاون وثيق بشأن البرنامج النووي الايراني. ولا يتوقف التخوف الاميركي من كوريا الشمالية عند هذا الحد. فاذا بلغ الجنون بالولايات المتحدة حد شن حرب شاملة على كوريا الشمالية فان واشنطن قد تندم بعد فوات الأوان. فاذا اقتصرت الحرب على الاسلحة التقليدية فان اول الأهداف التي ستكون في متناول مرمى الكوريين الشماليين القواعد العسكرية الأميركية على اراضي كوريا الجنوبية التي يرابط عليها 37 الف جندي اميركي. أما اذا صعدت اميركا الحرب الى المستوى النووي فأن الرد الكوري بالصواريخ طويلة المدى ذات الرؤوس النووية سوف يطال كبرى المدن الأميركية. صفوة القول ان الولايات المتحدة لاتعرف الآن كيف تتعامل مع كوريا الشمالية.. بعد ان ورطت نفسها في مأزق. ففي حمأة السياسة الهستيرية التي تبنتها ادارة بوش كرد فعل على احداث 11 سبتمبر دمغ الرئيس الاميركي كوريا الشمالية مع دولتين اسلاميتين ـ العراق وايران ـ بأنها «دول مارقة» وأنها «محور للشر». ومضى بوش في حماقته باعلان تبني نظام «الضربة الوقائية الاستباقية».. أي شن هجوم كاسح قد يتضمن استخدام سلاح نووي ضد «دولة مارقة» بصورة استباقية دون انتظار وقوع «عدوان» من تلك الدولة «المارقة». هنا ردت كوريا الشمالية برد من جنس العمل. فقد استأنفت العمل في انتاج الاسلحة النووية بعد ان جمدته بناء على اتفاق سابق مع ادارة كلينتون مقابل مساعدات اقتصادية. فكيف تنتظر كوريا الشمالية ساكتة ساكنة ـ كما يقول قادتها ـ الى ان تتلقى ضربة أميركية معلناً عنها سلفا؟ فالدفاع عن النفس يتطلب استعداداً مسبقا.