الجمعة 7 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 10 يناير 2003 «أيها السادة لم يبق انتظار سقط المهر من الإعياء وانحلت سيور العربة ضاقت الدائرة السوداء حول الرقبة صدرنا يلمسه السيف وفي الظهر:الجدار أيها السادة لم يبق انتظار»!! هكذا رأى (الراحل) أمل دنقل، شاعر مصر الكبير، صورة الأمة العربية في قصيدته «الموت في الفراش» 1970. وقد كتبها بين نكسة يونيو وانتصار أكتوبر في مرحلة عصيبة من التاريخ العربي. وعندما أعود إلى هذه السطور النارية أتساءل: وماذا لو امتد العمر بأمل دنقل ليعيش تسعينيات القرن الماضي بأهوالها وما ينتظر الأمة من أهوال في مفتتح القرن الجديد؟ والاحساس بأن لحظة الانتقال من الانتظار لحالة الفعل تشيع في الخطاب الثقافي العربي بدرجة من الإلحاح لا تختلف عنها في شعر أمل دنقل وغيره. ومؤخرا نشر الكاتب والسياسي المصري المعروف الدكتور مصطفى الفقي مقالا مهما (جريدة الحياة اللندنية 24 - 12 - 2002) يدعو فيه لمبادرة غير تقليدية في شأن الصراع العربي الصهيوني. والحاجة لمبادرات غير تقليدية عربيا تشمل الكثير من الملفات والقضايا فالزمن يتجاوز الكثير من الأفكار والممارسات والرؤى المستقرة في الواقع العربي سياسيا واقتصاديا وعلميا وتقنيا. إلخ، بوتيرة تتجاوز كثيرا قدرة المجتمعات العربية على إدارة تغيير مقصود يجعلنا قادرين على التعامل مع مستجدات الواقع العالمي. ورغم أن مثل هذه الدعوات كثيرا ما تثير مخاوف الكثير من المثقفين العرب الذين يخشون أن تكون دعوات التغيير ستارا لعمليات اجتياح غربي شامل تقتلع جذور ثقافتنا وهويتنا، فإن مثل هذه التخوفات تنطوي على تجاهل متعمد لحقائق عديدة راسخة في مقدمتها أن التفاعل الحقيقي يثري الحضارات ولا يقضي عليها، وأن هويتنا العربية الإسلامية أكثر رسوخا مما يتخوفون. فالاستعمار الغربي اجتاح المنطقة العربية لما يزيد عن قرن من الزمان وخرج منها والهوية العربية لشعوبها محل إجماع. ويظل المثل الفرنسي في الجزائر أشهر الأمثلة إذ بقي الفرنسيون فيها أكثر من مئة عام بذلوا خلالها جهودا خرافية استهدفت «فرنسة» الجزائريين وخرجوا منها وعدد من يتكلمون الفرنسية لا يتجاوز 6% من الشعب الجزائري، بينما تضاعفت النسبة بعد رحيل الاستعمار! والوضع العربي الراهن في حاجة لدور أكثر فعالية للمثقفين والمفكرين القادرين على بلورة رؤى للمستقبل تتصف بالمرونة والجرأة، وفي حاجة إلى مبادرة (وربما مبادرات) عربية بحجم التحديات القائمة والمنتظرة. فالصراع العربي الصهيوني، والتصورات الغربية لمستقبل المنطقة، والعلاقة بين الشعوب والأنظمة الحاكمة، وضعف النظام الإقليمي العربي، وغياب الحريات، وتفشي الأمية، والحاجة للتحديث الاقتصادي الشامل، وأوضاع الأقليات والنساء والجماعات المهمشة. وصولا إلى العلاقات العربية مع العالم ودوائرها المتداخلة والمتماسة مع: الأمة الإسلامية وبخاصة دول الجوار غير العربية )التخوم)، والقارة الأفريقية، وعالم الجنوب عموما من أميركا اللاتينية إلى جنوب شرق آسيا. كل هذه القضايا تحتاج استراتيجيات جديدة ودفعات قوية من العمل الجاد لإعادة صياغة المفاهيم لتتأسس عليها علاقات أكثر رسوخا وواقعية. قضية القضايا وتظل القضية الأعقد والأكثر إلحاحا وخطورة وتعقيدا قضية العلاقة مع الغرب وتشابكها مع قضايا مثل: الأمن، والنفط، وميراث الصراع الحضاري، والصراع العربي الصهيوني. ولم يعد مقبولا أبدا أن نظل أسرى ثقافة تفنيد الاتهامات وتحسين الصورة والدفاع عن الذات دون تصور محدد لما نريد أن ننجزه وما نود أن نتجنبه. وهنا يأتي دور العلماء ومراكز البحث ذات الأداء الرفيع التي يفتقر واقعنا العربي لما يكفي منها للأسف الشديد. وكل تصور نظري لا يتأسس على معرفة وثيقة دقيقة عميقة للغرب سيكون نصيبه من النجاح محدودا بما يتوفر له من قرب من الواقع يتحقق بشكل أقرب للصدفة!. والمقارنة بين عدد المؤسسات البحثية والإعلامية المنضوية تحت مظلة «اللوبي الصهيوني» في الولايات المتحدة وحدها وكل المؤسسات المماثلة في العالم العربي (مع مراعاة فوارق الخبرة والكفاءة والإمكانات) تظهر إلى أي حد يعوزنا لمواجهة الراهن والقدرة على التعامل مع القادم رؤية أكثر اعتمادا على معطيات الواقع وأدوات العل. وإذا زاد الوزن النسبي لتأثير «التكنوقراط الحقيقيين» في عملية اتخاذ القرار ووضع التصورات المستقبلية فمن المؤكد أن تجارب كثيرة مريرة ولدت في رأس صانع قرار، فلم تخضع لأي تقييم أو تمحيص ثم تحولت لواقع بجرة قلم، ودفعت ثمنها الأمة كلها يمكن أن تختفي من الواقع العربي. وها هو درس العراق يعلمنا جميعا أن المنطقة العربية محيط جغرافي وسياسي واحد، وأن الرصاصة التي تنطلق في بغداد يمكن أن يسمع دويها في القاهرة أو الرياض، أو حتى الرباط! فليبدأ المثقفون العرب معا مشروعا لأجل المستقبل، فأمل دنقل لم يبالغ ولم تخنه شاعريته وبصيرته معا حين قال قبل أكثر من ثلاثين عاما «أيها السادة لم يبق انتظار!». ـ كاتب مصري