الجمعة 7 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 10 يناير 2003 خلال حقبة الثلاثين سنة الماضية، تفاعلت قضايا عديدة في المنطقة والعالم، كانت بمعظمها تحمل نتائج سلبية على التيار القومي العربي فتنقله من كبوةٍ إلى كبوة، وما زال هذا التيار مستغرقاً فيها !! فالسلسة التي امتدت من هزيمة 1967، إلى وفاة ناصر، إلى توقيع السادات لمعاهدات كامب ديفيد، إلى عزل مصر، إلى حرب لبنان، إلى الحرب العراقية/الإيرانية، إلى اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، إلى غزو الكويت عام 1990 ثم إلى حرب الخليج الثانية وإلى الصراعات بين بعض الدول العربية .. كلّها عوامل امتزجت كسلبيّات مع انجذابٍ أو اندفاعٍ في الشارع العربي إلى ظاهرة «التيار الإسلامي» الذي دعمته آثار نجاح الثورة الإسلامية في إيران، إضافةً إلى التأثر بالحملات الإعلامية الكبيرة عن ظاهرة «المجاهدين الأفغان» ضد الشيوعية. وكان من الطبيعي بعد سوء طروحات وممارسات عدة حركات قومية وأممية شيوعية، خاصة في مجال تناقضها مع الإيمان الديني، أن يبتعد المواطن العربي عن هذه الحركات وأن يلتجئ إلى أطرٍ سياسيةٍ وفكرية تحمل مشاريع ذات سمات دينية، وأن يراها كأساسٍ صالحٍ لمشروع نهضةٍ قادمة. لكن، كما كان الطرح الفكري لحركات قومية عربية عاجزاً عن استيعاب خصوصية العلاقة بين العروبة والإسلام، كذلك كان العديد من الحركات الإسلامية قاصراً عن فهم هذه الخصوصية وعما تتميّز به الأمة العربية من حيث الترابط مع الإسلام في الحضارة واللغة والتاريخ والموقع الجغرافي. أيضاً، لم تتوفر لمعظم الحركات الإسلامية القدرات الفكرية والتنظيمية السليمة، وتوزع بعض هذه الحركات ما بين الطرح التقليدي السلفي (الذي لم ينجح في الماضي، فكيف سينجح مشروعاً للمستقبل؟) وبين حركاتٍ عنفية شوهت في ممارساتها الخارجية صورة المسلمين والدين الإسلامي وأظهرت ممارساتها الداخلية الاستماتة للوصول إلى السلطة فقط عوضاً عن هدف التغيير الفكري والثقافي أولاً في المجتمع. لذلك، دخلت المنطقة العربية القرن الحادي والعشرين وهي في حالٍ من الارتجاج الفكري والسياسي والأمني (على مستوى الحكومات أو المعارضات أو الشعوب)، ولم يكن الإنسان العربي بوضعٍ يرتجي فيه أملاً من حاكمٍ أو من معارض، من تيارٍ فكري أو من آخر، بل حتى من وضعٍ دولي أو إقليمي مجاور. أيضاً، كان ما خلّفه غزو النظام العراقي لدولة الكويت من انقساماتٍ وصراعات على مستوى شعوب المنطقة وليس فقط بين حكوماتها، سبباً لما أفرزته حرب الخليج الثانية من عودةٍ للهيمنة العسكرية الأجنبية على العراق وعلى عموم المنطقة. رحم الله تعالى جمال عبد الناصر، فقد استدرجته عام 1967 معلومات مصدرها موسكو ودمشق عن حشوداتٍ إسرائيلية ضد سوريا إلى إعلان حالة التعبئة العامة وإغلاق مضائق تيران في سيناء، فوقع في الكمين الأميركي الإسرائيلي وتعرّضت مصر لهزيمةٍ عسكريةٍ كبيرة كان وراءها استهتار المشير عامر والتركيبة الهشة آنذاك للمؤسسة العسكرية المصرية. رغم ذلك، أعلن جمال عبد الناصر يوم 9 يونيو (أقل من أربعة أيام على بدء الحرب) استقالته من المواقع الرسمية كافّة وأنّه كقائدٍ أعلى يتحمل المسئولية كلّها عما حدث لكن الجماهير خرجت بكثافة لتقنعه بالاستمرار وازالة آثار الهزيمة. وبعد مضي أكثر من ثلاثين سنة على وفاة جمال عبد الناصر ما زالت بعض الشخصيات والقوى تلومه وتلوم فترة حكمه (عن باطلٍ أو عن حقّ) على الكثير من القضايا الراهنة الآن، بينما عفت هذه الشخصيات والقوى عن نظام الحكم في بغداد، رغم خطأ المقارنة أصلاً بين تجربة جمال عبد الناصر ونظام صدام حسين. سمات فكرية مع أوائل القرن 21 لقد جاءت أحداث 11 سبتمبر 2001 في أميركا لتعطي مشروعية دولية للاستباحة الأميركية للمنطقة العربية، وكأن غزو الكويت الذي حدث باسم «العروبة» لم يكن كافياً، فجاءت الأعمال الإرهابية باسم «الإسلام» لتبرر الهيمنة الكاملة على عموم المنطقة العربية والعالم الإسلامي. في المحصلة، هناك جملة متغيرات دولية تؤثر الآن على السمات الفكرية للتيارات الراهنة في المنطقة العربية: لايوجد صراع دولي الآن بطابع أيديولوجي عقدي (عقائدي) كما كان في فترة الحرب الباردة بل تنافس بين قوى كبرى على الاقتصاد والتجارة. قيادة أميركية للعالم كلّه، بشرقه وغربه وجنوبه وشماله، رغم سعي قوى كبرى لتأسيس حالة توازن دولي مع أميركا ولو من منطلق التحالف معها!. تراجُع الطروحات الاجتماعية التي كانت سائدة في منتصف القرن الماضي (الاشتراكية والعدالة الاجتماعية) وبروز الطروحات السياسية حول الديمقراطية وأساليب الحكم السياسي. تراجع شعارات التحرّر الوطني والاستقلال القومي بالمعنى السياسي وارتفاع شعارات العولمة و«القرية الكونية الواحدة» رغم وجود دعوات التحرّر الثقافي والحضاري بين أمم وشعوب .. وبالتالي ضعُف الحديث عن القوميات بالمعنى السياسي، وارتفاع الحديث عن الخصوصيّات الثقافية والحضارية، والتي قد يشترك فيها أكثر من أبناء شعبٍ واحد أو بلدٍ واحد. دخول المسألة الدينية بشكل حاد في معظم القضايا والمجتمعات الدولية، بما فيها المجتمعات التي كانت تحرص على السمة العلمانية المجردة من الطابع الديني. ما فرضته أحداث 11 سبتمبر عالمياً (بحكم حجم الأحداث ومكانها ونوعيتها) من أولوية التعامل العالمي مع مسألة الأمن الداخلي وعلاقته بالطروحات الثقافية والدينية المتباينة بين الشعوب. لم تعد «أطروحة العروبة والإسلام» مسألة خاصة بالعرب فقط بل هي الآن مدار نقاش سلبيٍ وترصّد في العالم كله غربه وشرقه.. وكجزء من الأمن الداخلي وليس فقط من ناحية ثقافية أو كشأن من شئون السياسة الخارجية.. وحتى لغير العرب من المسلمين، هي الآن مسألة قيد النقاش بشكل سلبي حاد (تجربة العرب الأفغان ومحاولات التبرؤ في دول إسلامية من كل عربي!!). في المراحل العربية كلها للقرن العشرين: (مطلعه التقسيمي الإقليمي/أواسطه مع التيارات القومية/ أواخره مع التيارات الإسلامية)، كانت أبرز المشاكل والتحدّيات التي تواجه العرب هي: صيغ الحكم والعلاقات الدستورية في المجتمع: مشكلة انعدام الديمقراطية. الانقسامات السياسية والصراعات الحدودية: مشكلة التجزئة العربية. التحدّي الصهيوني وتفاعلاته وارتباطه بالسيطرة الخارجية ـ مشكلة التحرّر الوطني والقومي. وقد حاولت كلّ التيارات السياسية والفكرية في المنطقة التعامل مع هذه التحدّيات والمشاكل بطريقةٍ مشتركة أو مُجزّأة، لكن بقيت المشاكل والتحدّيات رغم تعثّر وفشل النظريات والحركات والتيارات.. لذلك سيبقى المطلوب عربياً هو بناء مشروعٍ فكري ـ سياسي عربي يقوم على: 1ـ عروبة حضارية: عروبة لا تجد تناقضاً مع المضمون الحضاري الإسلامي ودور الدين عموماً في الحياة العربية. 2ـ عروبة وطنية: عروبة لا تجد تناقضاً مع تعدّدية الأوطان بل تعمل لتكاملها وفق النموذج الأوروبي في الحد الأدنى (الاتحاد الكونفدرالي) أو الأميركي (الاتحاد الفيدرالي) كطموحٍ أقصى، ومما يحفظ خصوصيات كل بلد عربي ويضمن حقوق اختيارات الشعوب للصيغ المناسبة لكل وطن. 3ـ عروبة ديمقراطية: عروبة تقوم على الديمقراطية في نظام الحكم وفي أساليب المعارضة وفي العلاقات مع البلدان والمجتمعات الأخرى. 4ـ عروبة لا عنفية: عروبة ترفض استخدام العنف لتحقيق دعوتها أو في علاقاتها مع الخارج، وعروبة تميز بين الحقّ المشروع لأبناء أوطانها المحتلة بالمقاومة ضد قوات الاحتلال، وبين باطل استخدام أسلوب العنف ضد غير المحتلين وخارج الأراضي المحتلة. 5ـ عروبة مؤسساتية: تقوم على البناء السليم للمؤسسات العربية المشتركة، وعلى منظمات مدنية مبنية على أسلو ب العمل الجماعي الخادم لهدف وجودها. ـ مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن alhewar@alhewar.com