الجمعة 7 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 10 يناير 2003 في الحرب التي تقول الولايات المتحدة الأميركية أنها تشنها ضد ما تسميه «الإرهاب»، دون تمييز بين من يرتكبون الإرهاب في أبشع أنواعه، كإرهاب الدولة الذي يمارسه رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون، بدعم أميركي مطلق، وموقف غربي مستسلم، وعربي لا صوت له، وبين من يناضلون من اجل تحرير أراضيهم المغتصبة، كما يفعل الفلسطينيون، ومسلمو الشيشان. ومناضلو أفغانستان غير الطالبان الرافضين لأي سيطرة أجنبية في بلادهم بعد ان تكشفت أبعاد المؤامرة الأميركية الرامية الى ربط أفغانستان بأنبوب نفط وسط آسيا الشهير، قررت البنتاغون أن تمتد تلك الحرب لتشمل مواطني الدول الأوروبية الغربية، المفترض أنها حليفتها في هذه الحرب، بعد أن تبين أن طلاقا وشيك الوقوع بين الطبقة السياسية الحاكمة في أوروبا الغربية الديمقراطية وقواعدها الشعبية التي ترفض الرضوخ للرؤية الأحادية التي تحاول فرضها الولايات المتحدة عليهم، وضد رغبتهم. في هذه الحرب الجديدة قررت الولايات المتحدة أن تمتد لتشمل العالم كله بما فيه الشعوب الديمقراطية الغربية، لأنها كما يقول ايديولوجيو البيت الأبيض: شعوب «قاصرة» لا تعرف مصالحها التي يجب أن تتفق بالضرورة مع المصالح الأميركية، وان تتعارض بالحتمية مع مصالح أي طرف غير أميركي، لأن كل ما هو غير أميركي عدو بالضرورة أيضا. إذا كانت الولايات المتحدة استخدمت في أفغانستان كل أنواع الأسلحة التي تمتلكها، من أسلحة تقليدية معروفة أو غير معروفة أو غير معلن عنها لأنها محرمة دوليا، وتنوي استخدامها في حربها المزمعة ضد الشعب العراقي الشقيق بزعم «إسقاط» نظام الرئيس صدام حسين لأن الهدف النهائي لهذه الحرب، حسب البيت الأبيض، ليس صدام ولا نظامه، بل هو البترول الذي يمكن لأميركا أن تخنق به أوروبا الغربية وغيرها من القوى المنافسة، قبل أن يكون لها صوت موحد وتنافس على القيادة الأحادية الأميركية الحالية للعالم وتحولها إلى قيادة مزدوجة، أو متعددة إذا برزت قوى أخرى تطالب بنصيبها في النظام العالمي المتغير. إعلام الدمار الشامل! نظرا إلى أن الصواريخ بأنواعها، والقنابل كذلك، بما فيها القنابل النووية لا تصلح في الحرب الجديدة، فقد قررت البنتاغون أن تكون أسلحتها من نوع آخر يحقق الهدف ولا يخضب الأيدي بالدماء، لأن الدماء الأوروبية في النهاية دماء شعوب «صديقة»، كل ذنبها أنها «قاصرة» وتحتاج إلى من يرشدها إلى الطريق القويم، وهي الرؤية الأميركية المعروفة للشعوب الأوروبية، والتي لا تختلف في شيء عن رؤية التطرف في أفغانستان الذي كان ربيبا للمخابرات المركزية ثم مرفوضا من البيت الأبيض، الرؤية متطابقة برغم اختلافهما الظاهر. من هنا تم البحث عن أنجع الأسلحة الفتاكة لاستخدامها للقضاء على أي مقاومة شعبية في أوروبا الغربية تتمرد على سياسة الزعماء المحليين المنساقة وراء السياسة الأميركية، فعثرت الولايات المتحدة على «ترسانة» قوانين الأعلام الأوروبية التي تسمح للأجانب، شرط أن ينتموا إلى إمبراطوريات إعلامية «ديمقراطية» مثل إمبراطورية بيرلسكوني الإيطالية، بالسيطرة على العقول باستخدام جميع أنواع الغش والخداع، تلك القوانين التي تعتبر اخطر من أي ترسانة عسكرية حقيقية في أيدي الولايات المتحدة وعملائها، لأنها ستكون سلاحا مفيدا لمد عمر الحكومات التي لا تبدي تحفظا تجاه الولايات المتحدة وسياستها الاستعمارية الجديدة في مواجهة الرفض الشعبي لها، ولكن يبدو أن ترسانة الإعلام الغربي لا تزال عصية على تلك السياسة الموجهة، ويعشش فيها الكثير من «الشيوعيين» السابقين، أو الذين لم تتغير عقلياتهم مع امتداد سيطرة العولمة على كل شئ بما فيه الإعلام «الحر». نتيجة لهذا الوضع غير المقبول «أميركيا»، قررت البنتاغون البحث عن صحافيين على استعداد للعمل في هذه المهنة «الشريفة» من خلال مرايا تعكس الألوان الأميركية فقط، وعلى استعداد لقبول ما يقدمه لهم الجنرالات دون طرح أسئلة. تم البدء على الفور في تجنيد هؤلاء من خلال جهاز المخابرات الأميركية الذي تحول خلال القرن الحادي والعشرين إلى جهاز للقتل المباح، ولأن هذا الجهاز سيئ السمعة منذ أن بدأ عمله وانتشرت فضائحه، سواء في الدول المغلوبة على أمرها الرافضة للسيطرة الاستعمارية الأميركية، من فيتنام ولاوس وكمبوديا وحتى التشيلي والعالم العربي، وحتى داخل المجتمع الأميركي نفسه. فلا تزال الاتهامات تشير بأصابعها إلى هذا الجهاز نفسه ولا تزال العديد من الأسئلة بلا إجابة حول مسئوليته عن مصرع الرئيس الأكثر شعبية في الولايات المتحدة «جون كيندي»، والأكثر بشاعة مسئوليته عن أحداث 11 سبتمبر نفسها التي كانت سببا في تحول الرئيس الأقل شعبية «جورج دبليو بوش» إلى الرئيس الأكثر قوة، فإذا صحت الاتهامات الموجهة إلى بن لادن، وهو أمر مشكوك فيه، ولا توجد عليه أدلة مادية حتى هذه اللحظة، فان المخابرات المركزية تكون مسئولة بشكل مباشر عن هذه المأساة لأن بن لادن من صنع أيديها ولا يمكن التعامل معه على انه «ابن عاق» تمرد على مروضيه، بل يمكن التعامل معه أيضا على انه نفذ ما نفذ موجها من أحد كان يريد تحقيق شيء. تدجين الصحفيين نتيجة للسمعة السيئة التي تتمتع بها المخابرات الأميركية قررت وزارة الدفاع الأميركية ان تتولى مسئولية البحث بنفسها عن الصحافيين القابلين، أو الذين يبدون استعدادا لتقبل وجهة النظر الرسمية للبيت الأبيض ليكونوا رجالها في توجيه تلك الأسلحة إلى عقول الشعوب «الرافضة»، وحتى لا تثير البنتاغون الشبهات من حوله بعد تسرب وثائق رسمية حول وجود مخطط لنشر الأكاذيب الإعلامية للتمويه على الأهداف الحقيقية لأي تحرك عسكري أميركي في أي مكان، أو لخلق رأي عام «مصطنع» يؤيد هذه العمليات العسكرية كنتيجة للتجهيل المتعمد حول الأهداف الحقيقية، فقد تقرر أن يخضع هؤلاء الصحافيون لتدريبات عسكرية تحت غطاء «إعدادهم» للتغطية الإعلامية للحرب القادمة ضد العراق، في حال وقوعها «المؤكد». لأن كل التحركات الأميركية على جميع الجبهات تؤكد أنها تستخدم الأمم المتحدة ومراقبيها لكسب الوقت، وربما للتأكد من خلو العراق من الأسلحة الكيماوية حتى يمكن تأمين عمل القوات الأميركية خلال تلك الحرب المحتومة. سبب قيام البنتاغون بهذا الدور «الإعلامي» الغريب حسب مصادر البيت الأبيض الرسمية يعود إلى السمعة السيئة التي بدأت تلتصق ببعض القيادات العسكرية نتيجة عمليات التجهيل خلال حرب الخليج الثانية، التي تحول فيها الجنرال شوارزكوف إلى مراسل عسكري لكل وسائل الإعلام الأميركية، خاصة عندما تمادى في رفض وجود أي صحافي على جبهات القتال، فكانت النتيجة انه بعد مرور وقت قصير من تلك الحرب اكتشفت الصحافة الكثير من أكاذيب الجنرال، التي أضيفت إلى أكاذيب البيت الأبيض التي حاول إلصاقها بأطراف معينة خلال هذه الحرب، فكانت النتيجة خسارة الرئيس جورج بوش الأب فرصته الثانية في الرئاسة، لأن أكاذيب الجنرال تضخمت حتى طالت الرئيس. ثم كانت كارثة الحرب الأفغانية التي حاول جنرالات واشنطن تصويرها على أنها نزهة في الصحراء، وإذا بالصحافيين المستقلين يكشفون مدى فداحة الخسائر الأميركية في هذه الحرب غير المتكافئة، والجرائم البشعة التي ارتكبها الجيش الأميركي ضد المدنيين العزل للتغطية على رعب جنوده من أولئك الذين يرفض الاعتراف بوجودهم. أبشع تلك الجرائم التي فشل الجيش الأميركي في إخفائها وكشفها الأعلام، كانت تلك الناتجة عن قصف جوي لقرية عزلاء في يوليو الماضي، ليس بها سوى الأطفال والنساء والشيوخ، عندما أعلن جنرالات الجيش الأميركي أن الخسائر تتحملها قوات الطالبان لأنها استخدمت هؤلاء المدنيين كدروع بشرية لحماية منشآت عسكرية، ولم تمض سوى ساعات حتى قدم الصحافيون أدلة مادية دامغة تدحض الرؤية الأميركية، وتثبت ان القصف الأميركي كان موجهاً إلى قرية تحيي عرسا وليس قرية تحمي موقعاً عسكرياً! يبدو أن البنتاغون قررت الاحتياط لمثل هذه الأكاذيب القابلة للكشف بسهولة بإعداد صحافيين يقومون بالعمل القذر الذي كان يقوم به الجنرالات والمتحدثون باسم العسكريين، لان كلمة الصحافي لا تزال لها مكانتها لدى الجمهور الذي يتشكك في أي بيان عسكري أميركي بعد التاريخ الطويل من الأكاذيب، من أول فيتنام وحتى حرب أفغانستان. مواصفات مشبوهة من هنا جاء التشكك في الإعلان عن تدريب أول مجموعة من الصحافيين على الأعمال العسكرية استعدادا للحرب الخليجية الجديدة، خاصة أن البنتاغون الأميركية لم تكشف النقاب حتى الآن عن عدد هؤلاء الصحافيين الذين شاركوا في المجموعة الأولى التي يتم تدريبها الآن، ولا انتماءات هؤلاء الإعلامية، أو وسائل الإعلام التي يعملون لها، ورفض المتحدث باسم البنتاغون أيضا الكشف عن العدد المسموح له بالمشاركة في هذه التدريبات مستقبلا، أو انتماءات هؤلاء. بل لم تحدد البنتاغون أي مواصفات للصحافيين الذين يجب أن ترسل بهم صحفهم لتلقي هذه التدريبات، أو البرامج التي يتدرب عليها الصحافيون، وان كان من بينها نقل معلومات خاصة للجيش الأميركي قبل إرسالها لصحيفته مما يعني الخضوع لرقابة مسبقة، وعن ما إذا كان على الصحافي إطاعة أوامر الجنرالات على ارض المعركة ثم أن الطاعة يجب ان تكون للمهنة طبقا للشرف الصحفي الذي يلتزم به كل من يمارسها. هذا التشكك في نية البنتاغون والبيت الأبيض تجاه الإعلام دفع صحفا كبرى لها وزنها مثل صحيفة «الباييس» الإسبانية إلى طرح العديد من الأسئلة لتعرف أن كان مسموحا لها أن تختار مراسليها خلال الحرب العراقية، التي تؤكد إن وقوعها بات وشيكا، أم أن البنتاغون ستتولى أمر اختيار من تراه مناسبا للقيام بهذه المهمة نيابة عن الصحيفة، فتكون النتيجة أن الصحافي والصحيفة سيتحولان إلى مجرد صوت للبنتاغون وبوق للأكاذيب التي تريد نشرها، وهو ما تعلن الصحيفة رفضه. معظم وسائل الإعلام الأوروبية تتشكك في إعلان البنتاغون، وبعضها أعلن مسبقا انه ليس على استعداد للمشاركة في المهزلة الأميركية الرامية إلى التجهيل اكثر منها إلى الإعلام، بالطبع يأتي الرفض الإعلامي الأوروبي خوفا من اتهام مراسليهم بالعمل كجواسيس لصالح الولايات المتحدة، خاصة بعد أن أعلنت المخابرات المركزية الأميركية علنا أنها ستتجه إلى الحقل الإعلامي والتعاقد مع صحافيين للعمل لديها، بعد أن أصبحت مهنة «الجاسوس» محتقرة ولا يقبل عليها الكثيرون. رغم الضجة الإعلامية المفتعلة للدعاية لخطط البنتاغون تبقى العديد من الأسئلة المطروحة بلا إجابات: هل تسمح البنتاغون لمن هم معروفون باستقلاليتهم أو استقلالية وسائل الإعلام التي يعملون بها بالمشاركة في هذه الدورات؟ أم أن المشاركة مشروطة بالخضوع الكامل لجنرالات الجيش الأميركي؟، وهل مسموح للصحافيين المستقلين بالمشاركة في هذه الدورات، أم أن البنتاغون ستستخدم عدم المشاركة في التدريب كسبب لرفض دخول هؤلاء إلى مناطق القتال؟ بغض النظر عن الإجابة عن هذه الأسئلة، أو أي أسئلة أخرى مطروحة وتبحث عن إجابة، فالهدف من توجه البنتاغون معروف، واعتقد أن هذه المهنة التي نتشرف بالانتماء إليها لا يزال بها الكثير من الشرفاء الذين لا ولن تغريهم برامج الترويض التي تعدها البنتاغون، وسيظلون يطرحون السؤال تلو السؤال حول هدف جنرالات البيت الأبيض. السؤال العاجل الآن هو: ما هو «الإرهاب» يا سيد بوش؟ ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا