الجمعة 7 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 10 يناير 2003 صباح الجمعة الماضي وخلال الجلسة الافتتاحية لوزراء خارجية دول اتحاد المغرب العربي دعا محمد بن عيسى وزير الخارجية المغربي إلى التخلي عن «لغة الخشب»، وناشد حكومات الاتحاد إلى ان يتحلوا بما يكفي من الجرأة والشجاعة لوضع مصلحة شعوبهم فوق كل اعتبار. مرض لغة الخشب لا يعاني منه الاتحاد المغاربي فقط الذي تحول إلى جثة يرفض الاعضاء دفنه منذ تأسيسه عام 1987 عملاً بمقولة «اكرام الميت دفنه»، فلا يعقل ان اتحاداً يضم 5 دول عربية في الشمال الأفريقي تظل أكبر دولتين فيه، وهما الجزائر والمغرب، على خلاف مستفحل وقطيعة دبلوماسية قبل تأسسه بسنوات وحتى الآن. وهو حال العلاقات بين غالبية البلدان العربية. والغريب أن يوم تأسيس الاتحاد المغاربي أو قبله بيوم على ما أتذكر كان هناك اتحاد عربي آخر يدعى مجلس التعاون العربي يضم مصر والعراق واليمن والأردن، لكنه مات بالسكتة القلبية بعد 3 سنوات فقط عندما زحفت الدبابات العراقية إلى الكويت في أغسطس 1990، وتبين فيما بعد ان كل دولة فيه كانت تسعى وراء هدف مختلف عن بقية الدول. ومع الفارق الشكلي فقط فإن حال مجلس التعاون الخليجي لا يختلف كثيراً، فهو لا يسر حبيباً لكنه بالتأكيد حال يسر كل الاعداء.. والمحصلة العامة لكل ذلك هو ما نراه في حال جامعة الدول العربية التي تشبه حال ام عجوز ترى أبناءها يتقاتلون أمام عينيها بكل أنواع الاسلحة، ولا تستطيع ان تفعل شيئاً لأن الأب وهو «النظام العربي الرسمي» لم يعطها الصلاحيات لتأديب ابنائها، لأنه هو أيضاً عاجز عن فعل ذلك. حالتنا العربية لا تحتاج إلى شرح وايضاح ووصف وتفصيل... واذا كان القاصي والداني من السويد إلى ناميبيا ومن استراليا إلى تشيلي يعرف مأساة فرقتنا وهواننا على الناس، فلا أعرف حتى الآن لماذا نستمر في المكابرة وننكر السرطان الذي ينهش جسدنا قطعة قطعة، ونتحدث فقط عن الصداع الناشيء عن انفلونزا خارجية مصدرها فيروس أميركي أو صهيوني أو روسي. يشكو العرب ليل نهار ـ وأنا واحد منهم ـ من ازدواجية المعايير الأميركية والدولية فيما يخص قضايانا، لكننا ننسى النقاط الجوهرية في المسألة... فإذا كنا كعرب ندرك تماماً ونقول ذلك دائما أن أميركا هي العدو... فماذا ننتظر منها؟! أميركا وغيرها من الاعداء الذين يتربصون بنا، يريدون أن يحتلوا المنطقة ويسيطروا على ثرواتها، ويطوعوا أهلها ليصبحوا مجرد خدم طيبين، هذا شأنهم وربما مصلحتهم... لكن ماذا فعلنا نحن لكي نمنع ذلك؟! أيضاً من الاشياء التي مازلت حائراً في فهمها حتى الآن بشأن طريقة التفكير العربية، هي اننا وفي وسائل اعلامنا نهلل ليل نهار من أجل أن تتدخل أوروبا أو روسيا أو الصين أو أي قوة أخرى كي تمنع أميركا واسرائيل من الاستمرار في اذلالنا، نطلب منهم ذلك ونحن نجلس لمجرد الفرجة وكأن الامر لا يتعلق بمستقبلنا بأكمله!! وهو الامر الذي يتكرر دائما أيضا حينما تطلب النخب العربية من حكوماتها اقرار الديمقراطية والحريات العامة واحترام حقوق الانسان، رغم ادراك هذه النخب ان هذه الحكومات لن تفعل ذلك ولو بعد مليار سنة، لأن المسألة ببساطة ان بقاء مثل هذه النوعية من الحكومات يتعارض مع أي نوع من الديمقراطية! لغة الخشب التي أشار اليها الوزير المغربي تحولت إلى لغتنا الرسمية، يجتمع رؤساؤنا وملوكنا وقادتنا ويخرج البيان الرسمي ليقول لنا ان «الدنيا ربيع والجو بديع وقفل لي على كل المواضيع».. تغيير هذه اللغة الخشبية المنافقة يحتاج إلى معجزة تبدأ بالاعتراف بأننا نعاني مرضاً خطيراً يجعلنا أقرب إلى حالة الاحتضار أو الموت السريري، ثم نوصف هذا المرض جيداً، وبعدها نبدأ في أخذ العلاج المطلوب، اما الاستمرار في التأتأة والثرثرة بلغة التخشب والتحنجر «من اللغة الحنجورية وهي المرحلة التي تسبق اللغة الخشبية» فسوف يوردنا موارد التهلكة. ويقال ان مسئولاً عسكرياً مصرياً بارزاً وفي معرض تبريره لهزيمة يونيو 1967 قال اننا توقعنا ان يأتي العدو من الشرق لكنه خدعنا وفاجأنا وجاءنا من الشمال!! واذا كان هذا التبرير أقرب إلى «النكتة البايخة جداً» باعتبار أن الحرب خدعة ومفاجأة، فإن العدو الراهن يتحدث عن كل سيناريوهاته وخططه الحربية لاحتلالنا واذلالنا علناً «وعلى عينك يا تاجر» لدرجة انه يتحدث في التفاصيل الصغيرة التي ستصاحب العدوان. فماذا فعلنا؟! لا شيء.. فقط نتابع الأمر وكأنه حلقات مسلسل عربي ممطوط وممل، يتمنى البعض نهايته بأي شكل حتى لو كان على شكل نهايتنا!! emadiraqi@yahoo.com