الخميس 6 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 9 يناير 2003 في ليلة صيفية كنا مجتمعين أمام «كازينو بديعة» ولم يكن ملكا لبديعة مصابني التي كانت قد اعتزلت العمل وتركت البلاد منذ سنوات، وكنا نحيط بعربة «ترمس» وغاية بعضنا أن يثير دهشة البائع الغلبان الذي أتى من قريته ماشيا باحثا عن الرزق في العاصمة. فوصل إلى بداية الحلم عند هذه العربة المهترئة. وكان الاشرار منا يطلبون منه ترمسا بعشرة قروش، فكانت نظرات الدهشة تلمع في عينيه مع علامات السعادة، فلقد كان من المعتاد آنئذ أن يشتري الناس بقرش أو قرشين، بل كانوا يشترون بنصف قرش أو بملاليم وكلها عملات اختفت ويجهل ابناؤنا أي شيء عنها. بل صرنا نحن أنفسنا نجهلها، فلقد مر عليّ في كتاب قديم ذكر مبلغ بالملاليم أردت ترجمته الى لغتنا النقدية الآن، فاستغرق ذلك مني دقائق طويلة. وكان أحد الذين دخلوا في نقاش طويل مع البائع نجيب سرور الشاعر والمخرج والممثل والناقد والكاتب المسرحي وصاحب أشهر قصيدة بذيئة. ولابد أنك تعرفها يا عزيزي القارئ، فإذا لم تكن تعرفها اعتذر عن الاشارة اليها، ولو انها كانت موضع حديث طويل منذ شهور عندما وضعها ابنه في الانترنت بين تراث أبيه. وقبض على الابن على انه يروج لأعمال بذيئة. وتصدى الوسط الأدبي للدفاع عن الابن وعن القصيدة التي تعتبر من عيون الشعر الحديث حتى لو كان من الصعب الاشارة اليها. ولا أذكر من سأل نجيب السؤال الذي استمر سنوات بعد ذلك، وعندما حاولت أن أعرف من كان صاحب السؤال قال لي أحدهم انه كان بائع الترمس نفسه. وأظن أن صاحبي كان يمزح. المهم أن أحدا سأله: أنت مسيحي أم مسلم؟ ورفض نجيب أن يجيب على السؤال ولما فعل ذلك تحول السؤال إلى فضول شغل البعض. لم يكن الهدف من السؤال تصنيف نجيب سرور. فما كنا نتعامل معه هو الأديب والفنان والصديق. ولكن الإنسان فضولي بطبعه. أرفض أن تقول لصديقك تاريخ ميلادك، وستجد أن ذلك يشغله أكثر مما يجب. وبالطبع كان سبب عدم التحديد بالنسبة لنجيب سرور أن اسمه يحتمل هذا وذاك. وأظن أنني كذلك في أمر آخر. فمعظم أصدقائي يحتارون في أين ولدت. وهو أمر يشغل بعضنا لعشقه لموطنه خاصة اذا كان الصعيد أو الاسكندرية فأهلها يرونها الدنيا. وما سبب الربكة في أمري انني أجيب اجابات مختلفة، ومع ذلك فكلها صحيحة. مثلا أنا من مواليد قرية في محافظة البحيرة، ومع ذلك لا يصدق أهل البحيرة هذا لأنني أقول أحيانا أشياء أخرى. وربما كان السبب انني عشت في الصعيد مرحلة الدراسة حتى الجامعة وهي بالتأكيد فترة التكوين واتساءل هل التكوين لا يكون مولد الإنسان؟ وعلاقتي بالقرية التي ولدت بها عابرة، فأنا لم أعش فيها أبدا، ولكن أذهب لها على فترات متباعدة جدا، في غالب الأمر لحضور الأفراح أو المآتم. ومنذ طفولتي وأنا أسمع أهل قريتي يتحدثون عن عبدالمجيد الكفراوي، في البداية كان يؤكد المتحدثون انهم رأوه رأي العين وتحدثوا معه، ثم وصلت الى متحدثين يؤكدون انهم سمعوا ما يقولونه عن ثقات لا يرقى لهم الشك. ولكنني أعتقد أن أحدا من كل هؤلاء لم يقابل عبدالمجيد الكفراوي اذا كان هناك شخص بهذا الاسم! فهو رجل بلا أقارب رغم أن ثلاثة أرباع قريتنا يدعى قرابته. وهو بلا ذرية رغم أنهم يحكون عن ابنه السفير وحفيده الوزير. وليس في القرية ما يدل على سكنه الا جدار غارق في مياه النيل ويثير التساؤل عن من بنى في هذا المكان، أو كيف تعدى النيل حدوده ووصل الى قصر الكفراوي. لقد كان بطل القرية الذي دافع عنها وقدم لها كل ما تحلم به. ساعد الجميع. ثم اختفى. قالوا أنه سافر للعاصمة وسيعود غدا. لكن الغد لم يأت أبدا. قالوا أنه سافر لأعماله، أو أنه سافر ليحل أزمات القرية. وفي النهاية سيعود. ولكن مضت السنوات ولم يعد عبدالمجيد الكفراوي. كانوا يختلفون هل كان في زمن ثورة 1919 أو في زمن احدى الحربين العالميتين، وها نحن وصلنا الى القرن الواحد والعشرين، ومازال أهل قريتي ينتظرون بطلنا الغائب. ليس في قريتي وحدها فبين الحين والحين يظهر شخص يقول أنه المهدي المنتظر، وأنه جاء ليخلص البشر، ويساعد المحتاجين، ومن الغريب أنه كان يجد من يصدقه يبدو أن الناس يحتاجون فعلا المهدي المنتظر. ولا أدري هل رصد أحد ظاهرة هتلر. ولم يكن هتلر بالطبع المهدي المنتظر لأحد. ولكن الناس كانوا يرون فيه الخلاص من الاحتلال البريطاني حسب تلك النظرية الشائعة التي تقول: عدو عدوي صديقي! ولو أنك سمعت تصريحا لوزير من بلد ما ضد اسرائيل لاحتفيت بالوزير وبلده، حتى ولو كان ضد اسرائيل مرة وضدنا مرتين. وهذا ما حدث في أربعينيات القرن الماضي، فلقد ضاق الناس بالاحتلال البريطاني. حركت ثورة 1919 الأمور فترات، ولكن عادت الأمور الى ما كانت عليه. ضغطت هبة 1935 فقدمت بريطانيا معاهدة 1936 التي لم يقتنع بها الناس. ثم جاءت الحرب عام 1939 فبدا ان هتلر الأقوى، واحاطته دعاية جوبلز الجذابة امام دعاية بريطانيا التقليدية. وعندما اقتربت القوات الايطالية والألمانية من الحدود المصرية خرجت المظاهرات تهتف: الى الامام يا روميل! فلقد انقلب روميل الى المخلص. وعندما مات هتلر رفض الناس أن يصدقوا أنه مات، خاصة أن الاعلام الغربي ساهم في بلبلة الناس. وشيئا فشيئا بدأ الناس يصدقون ان هتلر مات لكن الذين كانوا ينتظرون مخلصهم رفضوا قبول فكرة موته. وأذكر أن أحدهم قال لي ان هتلر هرب بعد سقوط برلين، وانه الآن في الأرجنتين، وانه يجمع علماء ألمانيا الافذاذ ليخترعوا له سلاحا يهزم به الدول الكبرى، ويعود ليحكم العالم ويعطينا حريتنا لموقفنا المؤيد له! ولما حسبنا عمر هتلر انئذ كان قد وصل إلى المئة. فقلت لصاحبي: حتى لو كانت حكايتك صحيحة ما عادت تجدي فرجل في المائة لا يستطيع أن يفعل حتى لو كان هتلر! وفي الاسبوع الماضي اصطدمت بمعلومة كانت السبب في ان أكتب ما أكتب. وتبدأ من جمال عبدالناصر وما أبعده عن هتلر وعن غير هتلر. لكن الفكرة جاءت من شيء آخر.. ففي يوم الاربعاء المقبل يصبح عمر جمال عبدالناصر لو كان يعيش خمسة وثمانين عاما. قال صديقي: ماذا تتخيل لو أن جمال عبدالناصر كان على قيد الحياة قلت له: كنت استطيع ان اتخيل قبل هذا العام، أما الآن فلقد تغير الموقف. ولو كان عبدالناصر على قيد الحياة لهاجمته الأمراض، فإذا نجا منها قلت طاقته. وأظنه كان سيترك كل شيء للشباب. فهو شاب بدأ ثورته وهو في الرابعة والثلاثين وترك الحياة وهو في الثانية والخمسين. رحم الله جمال عبدالناصر، ورحمنا، وجعلنا لا نفكر في استعادة جمال عبدالناصر، لكن نفكر في أفكار عبدالناصر ومواقفه، ولو اننا فعلنا ما صار حالنا كما هو الآن. هذا أكيد!