الخميس 6 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 9 يناير 2003 قرار شارون بمنع مشاركة وفد من السلطة الفلسطينية في مؤتمر «دولي» في لندن ومنع عقد اجتماع للمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في رام الله لا يخلو من مفارقة مضحكة محزنة، فقد كان الأجدر ان يأتي القرار في كلتا الحالتين من القيادة العليا الفلسطينية نفسها لأن كلا اللقاءين المقررين ـ مؤتمر لندن واجتماع المجلس المركزي ـ موضع شبهة قوية. مؤتمر لندن من بنات أفكار رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وهذه الحقيقة البسيطة نفسها كانت تكفي لامتناع القيادة الفلسطينية عمداً ومع سبق الاصرار عن المشاركة، فالسيد بلير ليس سوى المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض الأميركي. تلك الشبهة ذات طبيعة اجرائية، أما الشبهة الجوهرية فتتمثل في جدول الأعمال المعد للمؤتمر وفقاً لما حدده بلير بنفسه بموافقة المشاركين الآخرين من «المجموعة الدولية» ـ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة. انه جدول أعمال من بند واحد لا غير تحت عنوان «الاصلاح الفلسطيني» وليس الحصار الاسرائيلي للمدن الفلسطينية وما يرافقه من اغتيالات وقتل بالجملة ونسف منازل وتجريف مزارع، كما انه ليس قضية اعادة احتلال الأراضي الفلسطينية وكيفية وضع نهاية له. ومن العجيب ان اسرائيل ليست من بين الأطراف المدعوة للمؤتمر فماذا يعني ذلك؟ إن المعنى بسيط ومباشر، فالسيد توني بلير نفسه هو الممثل الاسرائيلي في المؤتمر، وبما ان الهدف من المؤتمر هو حمل السلطة الفلسطينية على استعادة التنسيق الأمني مع اسرائيل باسم «الاصلاح الفلسطيني ومتطلباته والمغزى من وراء عدم الحضور الاسرائيلي ـ باتفاق مسبق بالطبع بين بلير وشارون ـ هو ألا تبدو التنازلات الفلسطينية المتوقعة وكأنها استجابة لطلب اسرائيلي. لكن لماذا منع شارون وفد السلطة الفلسطينية من السفر إلى لندن مع ان المفترض ان يكون المؤتمر لصالح اسرائيل وفق تشاور مسبق معها؟ لأن اليمين الاسرائيلي الحاكم بزعامة كل من ارييل شارون وبنيامين نتانياهو يرفض أصلاً الاعتراف بشرعية أي كيان فلسطيني حتى لو كان كياناً في ضعف و«اعتدال» السلطة الوطنية الفلسطينية، ويبدو أن شارون قبل بعقد المؤتمر مبدئياً لكي يبدو للعالم كشخصية لا ترفض أي مبادرة في اتجاه السلام، متحيناً أي ذرعية للتملص. هذا يقودنا بدوره إلى تساؤل حول ما إذا كان لقيادة السلطة الفلسطينية استراتيجية للتعامل مع قضية الصراع الفلسطيني الاسرائيلي والداعي إلى هذا التساؤل هو انه لم يعد هناك أي اطار تفاوضي بين الطرفين بعد ان أعلن شارون ذات مرة ان عهد اتفاقية أوسلو قد ولّى إلى الأبد وأنه بالتالي لم يعد هناك أي التزام اسرائيلي تجاه الفلسطينيين. لقد صدع شارون بهذا الاعلان على رؤوس الاشهاد، بينما لم يكن بحاجة إلى اصدار اعلان لأن سياسته الميدانية المطبقة على الأرض لم تترك زيادة لمستزيد، فبعد احتلال المدن الفلسطينية يعمد شارون الآن إلى انشاء ادارة مدنية. ان المرتكز الأساسي لاستراتيجية اليمين الاسرائيلي من وراء الغاء اتفاق أوسلو هو إلغاء وجود السلطة الفلسطينية على الأراضي المحتلة لا لأن السلطة تمثل كياناً راديكالياً كما قد يتبادر إلى الأذهان بادئ الأمر، ولا لأنها فعلاً تدعم فصائل الكفاح المسلح ـ أو الارهاب باللغة الاسرائيلية ـ فالسلطة الفلسطينية أبعد ما تكون عن هذه «الاتهامات». ان الهدف الاستراتيجي الأعظم لليمين الاسرائيلي هو منع قيام دولة فلسطينية، والخطوة الاستهلالية في هذا الاتجاه هي تدمير وجود السلطة الوطنية الفلسطينية حتى لا تشكل نواة للدولة الفلسطينية المستقبلية، حتى لو كانت نواة ضعيفة، فالمقصود ليس التركيبة البشرية الراهنة للسلطة وإنما مبدأ قيام سلطة أصلاً في الأراضي المحتلة. هذا هو السيناريو المعتمد رسمياً لدى اليمين الاسرائيلي الحاكم والخطوة التالية في هذا السيناريو ـ وقد شرعت حكومة شارون بالفعل في تطبيقها ـ هي اقامة ادارة مدنية اسرائيلية على الأراضي المحتلة لتباشر تيسير الشئون العامة للشعب الفلسطيني كبديل عن السلطة الفلسطينية التي تذوى يوماً بعد يوم. وهذا هو ما يدعو إلى التساؤل المطروح: ما هي الاستراتيجية المضادة للقيادة العليا الفلسطينية من أجل مناوأة مشروع اليمين الاسرائيلي؟ وما طبيعة هذه الاستراتيجية، وهل لدى القيادة العليا استراتيجية ما فعلاً؟ من المؤكد ان القيادة العليا الفلسطينية ليس لديها استراتيجية على الاطلاق، وهذا لا ينبغي أن يكون مصدر دهشة كبيرة، لأن هذه القيادة عاجزة عن مواجهة الراهن، لأنه وضع لا يقبل سوى خيار الكفاح المسلح. بقتل اتفاق أوسلو على يد اليمين الاسرائيلي أسدل الستار الاسرائيلي نهائياً على عهد التفاوض السلمي، فلم يبق إذن من خيار سوى خيار المواجهة المسلحة وإذا كانت القيادة الفلسطينية العليا لا تزال ترفض مبدأ الكفاح المسلح فإنها تكون قد استنفدت صلاحيتها وخرجت من المجرى الرئيسي للتاريخ نهائياً.