الخميس 6 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 9 يناير 2003 كان العرب قبل ظهور النبوة المحمدية، مجرّد قبائل مستقرة في شبه الجزيرة العربية، ثمّ جعلهم الإسلام حملة رسالةٍ ينقلونها إلى مشارق الأرض ومغاربها وينشرون معها الثقافة العربية عموماً، واللغة العربية تحديداً كونها لغة القرآن الكريم. ورغم سوء أنظمة الحكم بعد مرحلة الخلفاء الراشدين، فإن ذلك لم يغيّر من الدور القيادي للعرب في العالم الإسلامي، ولا من الامتداد العربي (بشراً وثقافةً) إلى أرجاء كثيرة في آسيا وأفريقيا وبعضٍ من أوروبا. لكن التحديد الجغرافي لمدى الانتشار العربي حصل في مرحلة الحكم العثماني، الذي استمر أربعة قرون انتهت بمحاولة «تتريك» العرب وفرض اللغة التركية على العرب أنفسهم، الذين منهم انطلقت رسالة الإسلام، وعلى أرضهم سائر المقدسات الدينية، وبلغتهم العربية يصلّي مسلمو العالم كلّهم، وبمعرفة هذه اللغة وحدها يفقهون كتاب الله عزّ وجل. الملامة على حال العرب في الحقبة العثمانية تعود إلى تقصيرهم عن تحمل مسئولياتهم وليس لجنوح الأتراك فقط، والمحصّلة كانت، أنّ ضعف العرب والأتراك معاً قد سهّل الغزو الأجنبي للمنطقة العربية. ثم ارتدت تركيا عن دورها الإسلامي بعد أن أضحت في مطلع القرن الماضي تحتِ قيادةٍ عسكريةٍ تركيةٍ عنصريةٍ معادية للعرب ومستجدية للغرب الأوروبي، فخسرت بذلك هويّتها الإسلامية ولم تكسب الهويّة الأوروبية. ثم شرذم الغرب الأوروبي العرب إلى قطع مبعثرة ومتناحرة بعد أن أفقدهم ما حولهم من مظلّة إسلامية، وأضعفهم أيضاً في قوّتهم الثقافية العربية المشتركة، فارِضاً عليهم ثقافاته الغربية المتصارعة فيما بينها، لكن المتّفقة على عداوتها للثقافة العربية، وساعياً بدأبٍ للحلول مكانها في عقول العرب وعلى ألسنتهم من المحيط إلى الخليج. نقطة تحول هكذا بدأ العرب القرن العشرين الماضي: دون حوْلٍ إسلامي ودون قوّةٍ عربيةٍ ذاتية. جاء منتصف القرن العشرين ليحمل معه متغيّراتٍ كثيرة في المنطقة العربية وفي العالم كله. فالخمسينيات التي كانت موقعاً زمنياَ وسطياً للقرن العشرين، كانت أيضاً بدء انطلاق حركةٍ قومية عربية وسطية «لا شرقية ولا غربية»، ترفض الانتماء إلى أحد قطبيْ الصراع في العالم آنذاك، وترفض الواقع الإقليمي المجزأ للعرب كما ترفض الطروحات القومية الأوروبية العنصرية والفاشية، وتنطلق من أرض مصر التي هي موقع جغرافيّ وسط يربط أفريقيا العربية بآسيا العربية، وتعيش على ترابها أكبر كثافة سكّانية عربية تملك كفاءاتٍ وقدراتٍ بشرية ضخمة قياساً بسائر الأقطار العربية الأخرى. وكانت حرب السويس عام 1956 ثمّ إعلان الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، وقبل ذلك إعلان تأسيس حركة عدم الانحياز، كلّها مصادر إشعال لتيارٍ جديد قاده جمال عبد الناصر من خلال موقع مصر وثقلها القيادي، وحقّق للمرّة الأولى صحوةً قوميةً عربية تؤكّد الانتماء إلى أمةٍ عربيةٍ واحدة وتدعو إلى نهضةٍ عربيةٍ شاملة في الأطر كلّها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكن هذه الصحوة القومية العربية كانت «حالةً شعبية» أكثر منها «حالة فكرية» أو «تنظيمية». فالشارع العربي كان مع جمال عبد الناصر «القائد»، لكن دون «وسائل سليمة» تؤمّن الاتصال مع هذه القيادة. فأجهزة المخابرات كانت هي «وسائل الاتصال» بدلاً من البناء التنظيمي المؤسساتي السليم لهذه الملايين العربية في بلدان المشرق والمغرب معاً .. أيضاً، كانت الصحوة القومية قائمة على خطب ناصر وعلى بعض الكتابات والشعارات القومية هنا وهناك، لكن دون حسمٍ فكريّ ووضوحٍ مبدئيّ للأسس الفكرية المطلوبة لهذه الصحوة القومية. وكم كان محزناً رؤية العديد من القوى والحركات القومية وهي تتصارع حول أيّة «اشتراكية» وأيّة «قومية» وأيّة «حرّية» تتبنّى كمفاهيم فكرية أو تنتمي إليها كحركات سياسية، وكذا صراع هذه القوى والحركات حول موقفها من الدين عموماً ومن الإسلام خصوصاً.. بل إنّنا لنجد بعض هذه الحركات قد حمل الفكر ونقيضه في آنٍ معاً، حيث «القومي الماركسي» إلى جانب «القومي الإسلامي»، و«القومي المؤمن» إلى جانب «القومي الملحد» مع «القومي الطائفي» ... والكلّ معاً في «تيار قومي واحد» !! أيضاً، كان في هذا «التيار القومي الواحد» من هم ضد أيّة خصوصيةٍ وطنية (أي الاعتراف بالكيان أو القطر الوطني القائم) مع من هم يتحدّثون عن «الدوائر المتعدّدة» للانتماء- كما شرح ذلك ناصر في كتابه «فلسفة الثورة» عن التكامل في انتماءات مصر للدوائر العربية والأفريقية والإسلامية. ولأنّ القيادة الناصرية لمصر جاءت للحكم بواسطة انقلابٍ عسكريّ دعمه الشعب فيما بعد وحوله إلى ثورةٍ شعبية، فإن الصحوة القومية ارتبطت في ذهن البعض بأسلوب «الانقلاب العسكري» وبإعلان «البلاغ رقم 1» كمؤشّرٍ لوضعٍ داخلي أفضل يساهم في النهضة القومية العربية!! وكأن حكم العسكر أصبح مشروعاً !! فتحوّل العديد من القوى والأحزاب القومية من أولوية بناء الكوادر والقيادات والعمل وسط الناس إلى أولوية البحث عن ضباط، والعمل وسط العسكر للوصول إلى السلطة كهدفٍ نهائيّ. ولأنّ تجربة جمال عبد الناصر في الحكم داخل مصر اعتمدت الحكم السياسي من خلال مؤسسةٍ سياسيةٍ واحدة تتعدّد فيها المنابر والتيارات الفكرية لكن لا تسمح بوجود أحزاب أخرى، فإن القياس على ذلك أصبح أنّ العسكر الذين يصلون إلى السلطة في بلدانٍ عربيةٍ أخرى، يقضون على الحياة السياسية التعدّدية فيها فيتحوّل الحكم في البلد من «ديمقراطيةٍ شكلية» إلى دكتاتوريةٍ فعلية !! طبعاً هذه الأمور كلّها لم تكن بمثابّة مشاكل مهمة لدى الشارع العربي، فسمة المرحلة كانت «معارك التحرّر الوطني من الاحتلال والاستعمار»، وهذه المعارك لا تسمح كثيراً ب «الحديث عن الديمقراطية» خاصّةً أن العالم آنذاك كان قائماً على تجربتين: التجربة الرأسمالية في الغرب، وهي التي تقوم على تعدّد الأحزاب والحريات العامة مع النظام الاقتصادي الحر، بينما التجربة «النموذجية» الثانية التي كانت سائدة هي التجربة الشيوعية (السوفييتية أو الصينية) والتي كانت ترفض أساساً وجود حزبٍ آخر غير الحزب الحاكم ولا تقبل بأيّ نوعٍ من الحريات العامة في المجتمع، وتقوم على الاقتصاد الاشتراكي الموجه والمُسيطَر عليه من الدولة. لذلك كان من الطبيعي في منطقةٍ عربية تريد التحرّر من الغرب الرأسمالي (كحال معظم دول العالم الثالث) أن تطلب المساندة من «الشرق الشيوعي» وأن تتأثّر بمفاهيمه للحكم سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وألاّ تقبل الجمع بين التحرّر الوطني من الغرب وبين تبنّي صيغه الدستورية والاقتصادية والثقافية في أنظمتها. تكلس فكري فكري تلك مرحلة قد انتهت في مصر وفي العالم، لها ما لها وعليها ما عليها، لكن بالرّغم من المتغيّرات كلّها في المنطقة وفي العالم، فإن بعض الأنظمة العربية التي وصلت للحكم بواسطة انقلابٍ عسكري، وتحت شعاراتٍ قوميةٍ هشة، ما زالت تحكم دون أيّ تغييرٍ في أوضاعها الدستورية أو نمط حكمها العسكري، ذلك النمط الرافض لأيّة مشاركةٍ شعبية في الحكم أو لتكريس الحريات العامّة في المجتمع كحد أدنى.. أيضاً، ما زالت سلبيات تلك المرحلة «حالة قائمة» في وسط بعض القوى القومية العربية والتي لم تستفد من سلبيات وتجارب الماضي، بل هي تكرّس الأسباب نفسها التي أدّت إلى انحسار الصحوة القومية العربية وإلى انعزال القوى القومية بشكلٍ عام عن محيطها الشعبي العربي. فلم تدرك بعدُ هذه القوى (لا فكراً ولا ممارسةً) أن القومية العربية هي حالة انتماء وليست مضموناً فكرياً وسياسياً قائماً بذاته. أي لا يكفي القول «إنني قومي عربي» لأحسم موقعي أو موقفي الفكري من قضايا لها علاقة بالدين والديمقراطية وبالواقع العربيّ الراهن والصيغ الدستورية للحكم. ولعلّ تجربة «حركة القوميين العرب» في الستينيات خير مثالٍ على ذلك، حيث انقلبت هذه الحركة القومية على ذاتها عقب نكسة عام 1967 وخرجت منها مجموعة فصائل متصارعة تبنت بأكثريتها (رغم الصراعات فيما بين أجنحتها) الماركسية/اللينينية وخلعت «الثوب القومي» مستغلّةً ظروف هزيمة 67 لإشهار ماركسيتها ورفضها الفكري للمنطلق القومي، فاختارت أسماء جديدة لا تمت بصلةٍ إلى الحركة القومية: «الفصائل الماركسية/اللينينية»، «منظمة العمل الشيوعي»، «حزب العمل الاشتراكي»، «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» .. الخ. حصلت أيضاً حالة شبيهة في حزب البعث بشكلٍ عام، حيث تذبذب فكر هذا الحزب من شعاراتٍ عامّة فارغة المضمون (راجع محاضر محادثات الوحدة الثلاثية عام 1963 الصادرة عن دار «الأهرام»)، إلى تبني مناهج فكرية متناقضة، بعضها عروبيّ قومي والبعض الآخر منها ماركسي علماني، لكنْ دون حسمٍ فكري واضح وفي ظلّ صراعات سياسية وحزبية داخلية أفرزت أجنحةً متكسرة ومتصارعة في كل من العراق وسوريا ولبنان، وداخل منظماتٍ فلسطينية مسلّحة. وكان القاسم المشترك بين هذه «القوى القومية» أنها استغلت ظروف هزيمة عام 1967 لتنقض على قائد التيار القومي العربي آنذاك جمال عبد الناصر، وعلى دور مصر الطليعي في المنطقة، ولتطرح نفسها بديلاً لهذا القائد، ولبلدانها بديلاً لدور مصر التاريخي والجغرافي. وكانت القوى كلّها المتحدرة من أصول «حركة القوميين العرب» و«حزب البعث» في حال عداءٍ علنيّ مع ناصر حتى لحظة وفاته في سبتمبر 1970. كان هذا العداء لناصر ينطلق من ساحات هذه القوى التي كانت حاكمة في العراق وسوريا واليمن الجنوبي، كما كانت فاعلة في ساحات لبنان والأردن وفلسطين المحتلة. وفاة جمال عبد الناصر، وقبلها هزيمة عام 1967، وقبل هذا وذاك: ضعف البناء الفكري والسياسي والتنظيمي لتيار القومية العربية مقابل قوّة دور «المخابرات» وسط هذا التيار .. كلّها عناصر أسهمت بلا شكّ في ضعف التيار القومي العربي نفسه لعقودٍ لاحقة، لكن ذلك لا يلغي مسئولية من كانوا في مواقع الحركات السياسية القومية المُشار إليها آنفاً. والمؤسف، أنّه بعد أكثر من ثلاثين عاماً من وفاة ناصر، وبعد المتغيّرات الكثيرة التي حدثت في مصر وفي المنطقة العربية وفي العالم .. ما زال بعض هذه القوى يحكم في بعض البلدان العربية !! ـ مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن