الخميس 6 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 9 يناير 2003 تحمس الكثيرون منا لفكرة تأسيس فضائية اسلامية في الغرب، وبالتحديد في الولايات المتحدة تتحدث بلغة أجنبية، وتخاطب العقل الأميركي الفاقد للقدرة على التمييز بين الحق والباطل في مسائل تتعلق بهذه البقعة الساخنة من العالم التي تضمنا وتضم معنا تراثا ضخما، وقيما سباقة، ومشروعاً حضاريا لاسعاد الانسان في الارض بات مجهولاً لدى تلك العقول، واصبح التنادي بيننا من مكان بعيد، واصبح الحوار بيننا تحول دونه موانع وحواجز كثيرة من اخطرها فعل الآلة الاعلامية الصهيونية، ودورها النشط في توسيع الهوة يوما بعد يوم بين العقل الغربي والعقل المسلم، ثم في ملء تلك الهوة بما تشاء من اكاذيب وافتراءات حول حقوقنا وقضايانا وهويتنا التي باتت الهدف الاول للتشويه والاتهام. ورداً من جامعة الدول العربية على تداعيات احداث الحادي عشر من سبتمبر الخطيرة سمعنا عن اطلاق مشروع فضائية اسلامية في ارض الولايات المتحدة لتكون سفيرنا الاعلامي، وجسرنا الثقافي الذي نمرر من خلاله رسائلنا وآراءنا، ونعبر عن وجهة نظرنا المغيبة عن ذلك المجتمع. غير ان ثمة وجهة نظر اخرى بدأت تظهر على ساحة البحث في هذا المجال، وتعبر عن مخالفة صريحة لفكرة بث الفضائية الاسلامية داخل الارض الاميركية لان صوتاً واحداً غريبا عن النسيج الاعلامي الاميركي سيكون ضعيفا وخافتا ولن يستطيع ان يلفت النظر او يخطف الاضواء التي تصدر من تلك الآلة الاعلامية الضخمة ذات الامكانات الهائلة والنفوذ الطاغي. والحل كما يرى محمود شمام مدير مجلة «نيوزويك» التي تصدر باللغة العربية هو انتاج برامج مستقلة تباع إلى المحطات التلفزيونية المحلية، وتبث من خلال القنوات الرسمية وهي الخطوة الاكثر قدرة على اختراق الآلة الاعلامية من الداخل، وتقديم وجهة النظر الخاصة ليراها اغلب شرائح المجتمع الاميركي الذي يتابع بالضرورة قنواته التلفزيونية ويتأثر بما تقدم وتقول. هذا العرض الملخص للبديل عن الفضائية الاسلامية يقطع الشك باليقين ان اختراق تلك المحطات من الداخل هو الخيار العملي الصحيح لتحقيق التواصل الفكري بينا وبين ذلك المجتمع من جهة، وبيننا وبين سائر المجتمعات الغربية من جهة ثانية. الخطوة التالية اذن تحويل المبالغ المالية المخصصة للفضائية الاسلامية إلى برامج اعلامية منوعة تنتج بتقنية عالية، وتتوفر لها قاعدة معلومات، وفريق فني متمرس إلى جانب وضوح الرؤية وتحديد الهدف من تلك الاعمال المصممة لمخاطبة الآخر مع الحرص على تجنب الاخطاء الاعلامية الشائعة في الاعمال المحلية التي تعرض على قنوانتا الخاصة. هذا التكييف الجديد لطريقة المخاطبة مع الآخر ينبغي الوقوف امامه طويلا فإذا ما وجد القادرون على دفع تكاليف تلك البرامج الاعلامية انهم مقتنعون بهذا الرأي فما عليهم الا السير في هذا الطريق حتى النهاية. وحتى لا يذهب القاريء إلى الاعتقاد بأن هؤلاء القادرين هم من اصحاب الملايين او من ذوي الدخول التي تتجاور فيها الاصفار التي على يمين العدد لتتجاوز السبعة اصفار وأكثر، فاننا نبين انه بامكان الجميع المساهمة في دعم مثل هذه الافكار، واخراجها إلى النور فيما لو قررت شركات اعلامية جادة فتح المجال لمساهمات الجمهور، وراهنت على جيوب ذوي الدخل المحدود، لتشكل مساهماتهم المالية البسيطة القوة المادية اللازمة لانجاح مثل هذه المشاريع الخلاقة، وتحويل هزائمنا الاعلامية إلى انتصارات كبرى. ما نريده بالتحديد هو ان تتحرك النخب الفكرية والاعلامية والاقتصادية لدعم هذه الافكار، وتتولى فيما بينها ادارة مثل هذه المشاريع والاشراف عليها بعيدا عن الوقوف في موقع الانتظار للنجدة من عند ذوي الجيوب المنتفخة والارصدة المالية الكبرى لان هؤلاء في عامتهم مشغولون بجمع المزيد من المال دون وجود اي هدف آخر يتبنونه ويعملون لاجله. ليهنأ هؤلاء بما هم فيه، والانتظار في تحقيق بعض الامنيات الكبرى حتما لا يأتي عن طريقهم، ولم نعد ننشغل بمجرد التفكير بانهم سيفعلون شيئا في هذا السبيل، خاصة وان الحقائق تشهد ان مشاعرهم تجاه واجباتهم القومية قد دخلت غرفة الانعاش منذ زمن طويل.