الخميس 6 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 9 يناير 2003 عندما خرج علينا أحد الاخوة من اليمن السعيد زاعماً انه سيقاضي وكالة الفضاء الاميركية «ناسا» وسيطالبها بتعويضات مالية خرافية عن تعديها على ميراثه من أرض اجداده في كوكب المريخ، تحول في نظر الكثيرين الى مخبول، لعب تخزين «القات» بعقله، ورأى آخرون انه مهووس بداء اللهاث وراء الشهرة، وفي جميع الحالات صار اليمني مضربا للفكاهة والتندر. اما عندما اطلق صحفي فرنسي متقاعد، تنقل مابين اطراف مريع العقل والجنون، شائعة علمية محبوكة الصياغة، عبر شركة خاصة للاستنساخ «كلونيد» مفادها نجاح اول عملية لاستنساخ حواء من أم وأب اميركيين، تحولت الشائعة الى قصة علمية تتسابق وكالات الانباء والصحف ومحطات التلفزيون على متابعة اخبارها، ليس من باب الطرائف، بل من باب الحقائق العلمية. ولم تقصر اجهزة الاعلام في اطراف وزوايا عالمنا الاربعة في متابعة خلفيات الاختراق العلمي، ورصد كل ما تفوه به المسئولون عن «كلونيد» ورعاتهم الرئيسيين من طائفة «الرائيليين» بل وغالبا ما طغت خزعبلات الرائيليين على شائعة «حواء» المستنسخة واخواتها. ودون التطرق لجدل علمي او تنديد ديني بشائعة «كلونيد» حول نجاح ثلاث تجارب استنساخ بشرية، لان الامر مازال في مرحلة الاعلان دون أدلة، ومحل رفض وتكذيب محافل طبية ومراكز بحثية لها وزنها وحيثياتها، فالأمر الاجدى بالتمحيص هو الرابطة بين اطلاق الشائعة والترويج لطائفة الرائيليين، وكيفية التلفيق والتلاعب بعقول البشر عبر توظيف آلة الاعلام وشبق اللهاث وراء الخبر، واعادة صياغة احتمالية علمية لنشر اسطورة. فمن الواضح ان كلودرائيل الصحفي الفرنسي زعيم طائفة الرائيليين نجح فعلا في اقتناص قضية الاستنساخ واستحواذها على عقول البشر، منذ استنساخ النعجة دوللي، واختلاط الاوهام والاحلام بالحقائق، وتداخل الخيال العلمي مع الواقع، وكانت النتيجة مبهرة، واخترقت شهرة الرائيليين الافاق، وصار يعرفها حتى من يجهل عاصمة بلده، والادهى ان افكار تلك الطائفة الهامشية ذاعت ونافست شهرة النعجة دوللي، التي تعيش في هم ونكد جراء اصابتها بمرض التهاب المفاصل العضال. ونجح كلودرائيل في تحقيق حلمه المؤجل منذ تأسيس طائفته اللادينية عام 1973، ووضعها ضمن اهتمامات الرأي العام، مستغلا شركة «كلونيد» التابعة له، والزعم باستنساخ اول طفلة، اطلق عليها اسم «حواء» في رمز له دلالته، الدينية، محاولا الايحاء لجمهور المؤمنين بحقيقة الخلق الالهي للبشر، من تزاوج آدم ابو البشر وحواء. ففي نظرية رائيل ان البشر خلقهم كائن فضائي أسماه «ياهوية الوهيم»، وانه التقاه في 23 ديسمبر عام 1973، وطلب منه اقامة سفارة للمخلوقات الفضائية على الارض . وفي معارضة لنظرية الخلق الالهي، يجدف رائيل بأن البشر نتاج عمليات استنساخ نفذها القادمون على اطباق طائرة من الفضاء، ومن هنا تأتي رمزية اختيار اسم حواء، وبعدها الزعم باستنساخ طفلة من امرأتين «شاذتين». وحتى يقول العلم كلمته الفاصلة، وتظهر اشباح الاطفال المستنسخين الذين ترجح «كلونيد» انهم سيرتفعون الى ثمانية الشهر المقبل، هناك حقيقة تطارد تدليس رائيل، كشفتها خالته مؤخرا بقولها انه ابن سفاح «ابن زنا» ولدته امه اليهودية ثمرة علاقة آثمة مع يهودي هجرها، ولم يعترف ببنوة ابنه. ويبدو ان شائعة الاستنساخ البشري وما استتبعته من خزعبلات الرائيليين بحاجة لتدقيق اكثر من علماء التحليل النفسي في مجال الاعلام والدعاية واللعب على احلام البسطاء .. ولا عزاء للمغفلين.