الاربعاء 5 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 8 يناير 2003 من قال اننا لكي نصبح دولة عظيمة فإننا بحاجة الى كثافة سكانية عالية نصطنعها ونكونها من بلدان الآخرين؟ ومن قال ان البلدان ذات الكثافة السكانية العالية سعيدة بما آل اليه الانفجار السكاني الطبيعي او غير الطبيعي الذي يتكون بفعل الهجرات الوافدة، فقد قرأنا عن ان المملكة العربية السعودية قلقة بشأن النمو السكاني المرتفع والذي قاد الى ارتفاع عالٍ لمعدلات السكان، ما يعني حالة طواريء لمواجهة هذه الكثافة مستقبلا! ان هناك علاقة شديدة التعقيد بين هذه الزيادة غير الطبيعية للسكان بفعل الهجرات الوافدة، وبين الاوضاع الاجتماعية التي نعانيها والتي يجب ان نتوقف عندها ونعيد سياساتنا في هذا الاتجاه. ان هذا الخلل في الوضع السكاني تقع مسئوليته على توجهاتنا الاقتصادية في المقام الاول، وعلى درجة الوعي الاجتماعي عند الافراد الذين يتاجرون بالتأشيرات وكأنهم يتاجرون بـ (الفول السوداني)، كما ان التخطيط الذي يوازن بين النمو السكاني الطبيعي (المواليد) وبين الزيادة القادمة من الخارج مفقود تماما لدينا، وعليه فإن ظاهرة غلبة العنصر الاجنبي ستظل في ارتفاع مستمر حتى نجد السياسة والتخطيط الذي يضبط ايقاع المسافة بين الزيادتين (الطبيعية وغير الطبيعية) نحتاج الى هذا التخطيط كما نحتاج الى اتباع سياسة (التنمية المستدامة) كما يعرفها علماء الاقتصاد والتي توازن بين النمو الاقتصادي والاهداف الاجتماعية، كما نحتاج الى مناقشة قضايانا الوطنية بصراحة وعبر وسائل اعلامنا ومناهجنا ومجالسنا، لنضع الجميع امام مسئولياتهم الوطنية، ولنرفع (الحصانة) عن اولئك الذين يغرقون البلد بطوفان العمالة العشوائية والهامشية الرخيصة فقط من اجل 5000 درهم قيمة التأشيرة، او 10 آلاف درهم قيمة الرخصة او .... ان مئات بل آلاف التأشيرات التي يتم استخراجها يوميا لا تمثل في جوهرها حاجة حقيقية ملحة لسوق العمل، بل ان مئات العمال الذين يتم جلبهم تحت مسميات (عامل) او (مزارع) او (سائق) او (مربية) او ... لا يمثلون سوى شكل من اشكال التجارة البشعة التي يقايض بها البعض وطنه في مقابل بضعة آلاف ليضع الجميع في مهب رياح قاتلة. هناك هاجس أمني يختفي وراء هذه الاعداد المهولة من العمالة الهامشية، وهناك مشاكل دولية سنكون مضطرين للوقوف أمامها نتيجة اتفاقات التجارة العالمية، واتفاقية حقوق العمال و .. الخ، وهي التزامات شديدة التعقيد لن ينفع فيها مبلغ الـ 5 الاف او الـ عشرة الاف درهم! في عام واحد هو (1990) تم استخراج 73 ألف تأشيرة لصالح عمال في قطاع واحد هو الانشاءات، فكم تأشيرة يتم استخراجها اليوم بعد مضي اكثر من 10 سنوات؟ وفي عام (1990 ـ 1991) استخرجت 36 ألف تأشيرة لقطاع الفندقة، فكم نستخرج اليوم بعد كل هذا النمو في هذه القطاعات؟ وبالمقابل كم ننفق على هؤلاء؟ وكم يكلفون الدولة من اموال؟ وما هو المردود الذي نجنيه من ورائهم؟ والأهم هل كلهم يذهبون فعلا في اتجاه القطاعات التي جاءوا للعمل فيها؟ هناك هدر مادي وخدماتي يتم نتيجة استقدام العمالة العشوائية الرخيصة التي تؤثر على مستوى خدمات المجتمع واستهلاك مرافقه، ونسب الجريمة فيه، ولذلك فإن تنسيق العمل وفق سياسات سكانية حازمة تنظم سوق العمل أمر في غاية الاهمية اليوم قبل الغد!