الاربعاء 5 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 8 يناير 2003 «عجيب» إذا لم يكن للأمم آثار مادية باقية تدل على تاريخها فلا أقل من ان تصنع لها اثاراً فكرية تبقى على مر التاريخ وتذكر بها كلما مر على الخواطر اسمها. والعجيب العجيب ان يكون للأمم أموال وثروات تبددها على ما لا طائل من ورائه مما يموت قبل ولادته ومما يدخل في أبواب الزائف وغير الخالد من الأعمال الفكرية التي هي في الحقيقة ليست الا افرازات التغريب والتقليد الأعمى المبهور بصرعات الأمم الغالبة. «الشرفاء» لا يملك كل ذي نزفٍ أزرق من أهل القلم الشرفاء إلا ان تكون له دمعة زرقاء تبقى غائمة طويلاً في محاجر عينيه وربما تهمي بعد ذلك على بياض أوراقه المخبأة في أدراج مكتبه، فإذا أعاد التاريخ نفسه أو إذا تجدد الجرح لا يملك إلا ان يُخرِج من أدراجه غمامة عينيه تلك يقرأها ويضمها بين جانحيه ثم ينشُرها حمامة بيضاء في أفق هذا العالم لعلها تعانق أسراب الأرواح الجريحة الحائمة في آفاق العالم فتُصْدِرُ ضجيجاً يسمعه الراقدون الغافلون أو يُحس به المتخاذلون فينتبهون ويعلون ويصرخون ان دعوا الأطفال يا أبطال العالم يا حراس العالم يا دعاة الحرية، لا تكسروا ألعاب طفلةٍ ولا تنثروا في الدروب بقايا ضفائرها المقصوصة، ولا تمزقوا دفاترها الملونة ولا تقتلوا ابتسامتها على شفتيها باسم محاربة الارهاب. «ماذا لو..» ماذا لو استفاقت اسرائيل على الامة العربية وقد عزمت على أن يزحف عليها زحفاً مئة مليون مسلم لا يقاتلون بل ليندفعوا فيها اندفاعاً الى الصلاة في المسجد الاقصى؟ لو حدث كل ذلك أو بعضه لما رأيت اسرائيل متعجرفة مستكبرة تضرب بعرض الحائط كل الاعراف، بل لرأيتها خائفة مرتعدة ترفع راية السلام إن لم يكن الاستسلام، ولكن كيف يكون ذلك وهي ترى الأمة راقصة ضاحكة لاهية صباح مساء في قنواتها، وترى الجماهير العربية تتمايل وتتراقص حتى تباشير الصباح على نغمات الصبا والنهاوند، اما المساجد وساحات الجد والاجتهاد والجهاد فخاوية خالية الا من بعض من تسميهم الدراويش. «دليل» وليس أدل على اتباع المسلمين لمن كان قبلهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع كهذه الصرعة التي تسود عالمنا العربي والاسلامي بالاحتفال بما يسمى بعيد الحب، هذا العيد الاسطوري المنسوب الى الدين النصراني ابتداعاً في النصرانية الحقة، التي هي في أصلها دين التوحيد الذي انحرف حتى أصبح فيه كل يوم احتفال مقحم عليه والمسيح منه براء. وان احتفل غير المسلمين بهذا العيد المزعوم فذلك شأنهم، أما ان يفعل ذلك أهل الاسلام فذلك العجيب الغريب الذي يؤذن بدخولهم جحر الضب الحقير الذي لا يخرجون منه. «أطفال» برامجنا للأطفال أكثرها يستخف بعقول الأطفال ويعاملهم كأطفال سخفاء لا يقدم لهم أكثر من السخافات التي يُقدمها للكبار، ولعب سخيفة عفا عليها الزمن، كلعبة الكراسي ولعبة استخراج العملات النقدية من الطحين ولعبة أكل التفاحة المعلقة بخيط بدون استخدام الأيدي وباقي البرنامج رقص على نغمات أغان مثل «ناري نارين» و «كمنننا». «الشعر» ان الشعر مقدمة تقول للمجتمع بغير مباشرة افعل ولا تفعل، هذا جميل وهذا قبيح، هذا سمو وهذا انحطاط، فالشعراء بذلك هم قادة غير متوجين للمجتمع، اذا صلحت اقوالهم واشعارهم اثروا في صلاح من حولهم وان تسافلوا تسافل من حولهم، فهم ادوات بناء وهدم، وهذا أمر غير مبالغ فيه، وزعم ليس موهوماً، بل زعم تدلل عليه صفات المجتمعات التي نعايشها، فالمجتمعات الراقية المهذبة هي المجتمعات التي يسودها اصحاب العقول والمواهب الراقية الهادفة الى الجمال والحق والخير، ومن اولئك الشعراء أصحاب العقول المتقدة والمواهب الفذة. أما المجتمعات التي يسيطر عليها الرعاع واصحاب الامزجة المنحرفة والمواهب الهادمة، فهي بالنتيجة مجتمعات يسودها الانحراف بشتى أنواعه وان برزت وتقدمت في بعض نواحي الحياة المادية. والشعر نتيجة ايضاً، فهو أدب الناس وخلاصة تجاربهم، فالتجارب الراقية محمودة العقبى، وهل اجمل من ان يكون الشعر الجميل عاقبة حميدة لتجارب المجتمعات المحمودة ولفضائلها الراقية ولحرصها المستميت الدؤوب على اخلاقها ومبادئها، واظهر ما يكون ذلك عند العرب القدامى في حرصهم الظاهر في اشعارهم على طائفة من الأخلاق السامية التي لا تكتمل بغيرها الرجولة ولا تستقيم للرجل مكانته بين اهل زمانه، ومن تلك الاخلاق اشهرها وهو الكرم وهو سمة العربي ـ عربي الجزيرة أعني. وللعربي في الفخر بتلك الشيمة العربية الكريمة أشعار لا تحصى، ومن الجميل الجميل ان تجتمع للرجل سمات حميدة في ذاته يفخر بها بشعر خالد جميل، وان من اولئك: الكريم العربي حاتم الطائي، ذلك الكريم الشجاع العفيف المحب لوطنه، وان له مع كرمه من حكمة الشعر ما لم يكن لغيره، من ذلك قوله ذاماً ان يتبع الانسان نفسه شهوتي البطن والفرج فقال: وانك مهما تعط بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا