الاربعاء 5 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 8 يناير 2003 إلى أي مدى رتبت ادارة بوش حساباتها بشأن الحرب ضد العراق؟! على اساس احتياجات اسرائيل الأمنية.. أم احتياجات الولايات المتحدة؟ لو كان طارح هذا السؤال كاتباً عربياً في صحيفة عربية لما اثار دهشة احد. لكني شخصياً دهشت وعجبت اذ كنت أطالع مقالة للكاتب الصحافي الأميركي في «واشنطن بوست» وليام راسبيري الذي اتخذ من هذا السؤال محوراً رئيسياً للمقالة في سياق عدد من الأسئلة الأخرى. إن هذه المقالة في اجمالها تجسد تشكيكا في دوافع الادارة الأميركية من وراء الاستعداء لشن حرب شاملة ضد العراق. ومن هذا المنظور فإن الكاتب لا يتميز بميزة متفردة من الجرأة. فلا يكاد يمر يوم دون ان نقرأ في صحيفة أميركية أو أخرى تساؤلات تشكيكية بشأن دوافع وأهداف الحرب. لكن الجديد هو ان راسبيري يخرق محظورات ـ أو على الاقل حاول ان يخرق ـ بطرحه الضمني بأن التحرك الدولي للولايات المتحدة ينطلق من اعتبارات الأمن الاسرائيلي أولاً، و ليس من ضرورات المصالح الحيوية الوطنية للشعب الأميركي. يقول راسبيري إنه كان المفترض هو ان الولايات المتحدة على استعداد لشن حرب من اجل اسرائيل بالدرجة الأولى «أليس من حقنا في هذه الحالة ان تكون لنا كلمة نافذة في شئون اسرائيلية مثل المستوطنات اليهودية في المناطق المحتلة؟». وإذا صح فعلاً الافتراض بأن الدافع الحقيقي للحرب هو خدمة الأمن الاسرائيلي وليس «امتلاك» العراق اسلحة دمار شامل ترفض بغداد التخلي عنها، فإن معنى ذلك ان شن الحرب أمر حتمي في كل الأحوال حتى لو تأجل موعد اشعالها لظرف أو آخر. وفي هذا الصدد يتحدث راسبيري بلغة ساخرة فيقول ان «ادارة بوش تبدو وكأنها تقول للشعب الأميركي انه في حالة ان العراق «انكر» امتلاك اسلحة دمار شامل بينما «تعرف» الادارة الأميركية انه يملك، فإن الكذبة العراقية تصبح «انتهاكاً مادياً» لقرار الأمم المتحدة وبالتالي سبباً لشن الحرب ضد العراق. ولكن، تقول الادارة الأميركية أيضاً، اذا اعترف العراق بملكية مثل هذه الأسلحة فإنه في هذه الحالة يدين نفسه بنفسه وبالتالي لن يكون هناك خيار سوى شن الحرب عليه». لقد أراد راسبيري ان يفضح الأجندة الخفية للولايات المتحدة.. وان يقول، ولو ضمناً، ما لا يقال بأن ضرب العراق ـ وأي دولة عربية أو إسلامية أخرى يمكن أن يشكل خطراً على الدولة اليهودية في اطار الصراع العربي الإسلامي معها ـ بند استراتيجي في ثوابت السياسة الخارجية الأميركية تحت أي ادارة من الإدارات المتعاقبة. وهذا هو معنى ان العراق «مذنب» سواء كان لديه أم لم يكن لديه أسلحة دمار شامل. فموضوع الأسلحة ليس سوى ذريعة. ويمضي راسبيري في تساؤلاته بشأن النوايا الأميركية المعلنة فيقول: هل الولايات المتحدة جادة حقاً في ادعائها بأن الهدف من الحرب هو إقامة الديمقراطية في العراق؟ ومن هذه النقطة يتساءل: «ألا يحق لنا أن نتصور ان الديمقراطية أولوية متدنية بالمقارنة مع السيطرة الأميركية على احتياطيات النفط العراقي؟». وهل النظام العراقي يمثل خطراً على جيرانه؟ يقول راسبيري في رده على هذه الحجة التي تطرحها الإدارة الأميركية كأحد أسباب شن الحرب، إننا حتى لو قبلنا هذا الافتراض فهل العراق خطر ماثل مما يبرر شن حرب أميركية عليه حتى لو تطلب ذلك أن ترتكب الولايات المتحدة مخاطرة أحادية بمعزل عن التأييد الدولي؟ وهل الحرب هي الوسيلة الوحيدة؟! من حين لآخر تعيد الإدارة الأميركية طرح أمر الحرب المحتملة وكأنها تدخل ضمن اطار «الحرب ضد الإرهاب العالمي». وهنا يرى راسبيري ان شن هجوم ضد العراق سوف يؤدي الى المزيد من الاعمال الارهابية ضد الولايات المتحدة واسرائيل بأضعاف مضاعفة. والخلاصة النهائية التي يختم بها وليام راسبيري مقالته هي أن الإدارة الأميركية تمارس لعبة خداع على شعبها بابتداع حجج مفتعلة لضرب العراق مع الحرص على عدم البوح بالسبب الحقيقي ـ حماية الأمن الإسرائيلي على المدى البعيد. رجال الإدارة الأميركية ـ يقول راسبيري ـ يرون أنفسهم «الأشخاص البالغين الوحيدين داخل غرفة مليئة بأطفال سذج» ـ هؤلاء «الأطفال السذج» هم الشعب الأميركي!