الاربعاء 5 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 8 يناير 2003 انتشر مفهوم المؤسسة الإعلامية التجارية وأصبح هو المفهوم السائد في معظم المجتمعات، خاصة بعد انهيار الأنظمة الاشتراكية في معظم دول العالم ـ والكلام هذا يخص المجتمعات العربية ودول العالم الثالث. لكن للمؤسسة الاعلامية شروطاً ومستلزمات ومقاييس محددة. المؤسسة الإعلامية في المجتمع تكون الفكر والرأي والمعرفة، تشكل الرأي العام، فهي اذن مؤسسة تجارية لكن ذات خصوصيات عامة تأخذ بعين الاعتبار عدة أهداف ومهام. الظاهرة التي انتشرت مؤخراً في الفضاء الاعلامي العربي في بعض القنوات العربية الفضائية وكذلك بعض المطبوعات خاصة الصادرة في بعض العواصم الغربية هو التجاهل التام لعدة اعتبارات مهنية وأخلاقية. واصبح الشغل الشاغل لهذه المؤسسات الاعلامية هو الربح بغض النظر عن الوسيلة أو الثمن الأخلاقي والقيمي المدفوع. هل سألت هذه المؤسسات نفسها عن الأهداف التي حققتها وما هي الاضافات التي جاءت بها للمجتمع، وما هي مساهماتها في الرصيد المعرفي والقيمي والفكري لأفراد المجتمع؟ تجدر الاشارة هنا انه ليس هناك تناقض صارخ بين التجارة والاعلام، فإذا وجدت قوانين وتشريعات وأهم من ذلك مباديء وأخلاق فإن المؤسسة الاعلامية تستطيع ان تكون تجارية وتخدم الصالح العام والمجتمع، وهذا عندما لا يطغى الجشع وحب الربح السريع على الأهداف النبيلة والمهنة الشريفة. إن السلطة في الوطن العربي وفي سائر الدول النامية تنظر الى وسائل الإعلام كوسائل لتثبيت شرعيتها وبسط نفوذها وتمرير خطابها السياسي بغض النظر عن طموحات وهموم الجماهير. إن السلطة في معظم الدول العربية مازالت لم تستطع بناء نظام مؤسساتي مستقر ولم تستطع ان تحقق المشاركة السياسية الفعالة داخل المجتمع، وكنتيجة لكل هذا فإنها فشلت كذلك في إقامة وبناء جهاز اعلامي فعال يؤمن بتوفير الاتصال الأفقي ويعمل على إدماج مختلف الشرائح الاجتماعية في العملية السياسية والاقتصادية والثقافية. ولهذا نتجت النظرة الضيقة للإعلام على أساس انه اداة من أدوات السلطة تستعمل في آليات عمليات الحكم والسيطرة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإعلام التنموي والفعال والأفقي لايتأتى إلا بالديمقراطية والأجهزة المؤسساتية المختلفة التي تلعب بدورها دور المراقب والمعارض والمشارك في العملية السياسية وفي صناعة القرار. واقع الحال! ونظرا لهذه النظرة الضيقة ولتسلط الحكومات وأنانيتها تميز الإعلام العربي بما يلي: ـ سيطرة الطابع الرسمي على الرسالة الإعلامية حيث نلاحظ التغطيات الإعلامية المكثفة لكل ما هو حكومي وقطاع عام ورسمي، فنشرات الأخبار في التلفزيونات العربية تكاد تتشابه وتركز في مجملها وبوقت مطول ومفصل على النشاطات الرسمية للرؤساء والوزارات ومختلف الادارات الحكومية. ـ سيطرة الأداء الإعلامي الروتيني حيث تغطية نفس المناسبات ونفس القطاعات وإهمال اهتمامات الجماهير وانشغالها. ـ احادية الاتجاه حيث انه يتدفق من الاعلى الى الاسفل من السلطة الى الجماهير بدون مشاركة المستقبل في عملية رجع الصدى او المشاركة في العملية الاعلامية، والتدفق الاحادي يؤدي بطبيعة الحال الى التكرار والروتين واعتماد وجهة نظر واحدة ورأي واحد وفلسفة واحدة، وهذا على حساب التعدد والاختلاف الموجود في المجتمع. ـ ضعف الاحترافية والمهنية في معظم وسائل الاعلام العربية خاصة المرئية منها وهذا كنتيجة للتركيز على الرسميات دون الارتقاء بالمهارات الفنية والابداعية نظرا للرقابة والسلطة وهاجس تنفيذ الاوامر بدون مناقشة وابداء الرأي. ـ الرقابة والحذف الذاتي حيث ان التحكم الرسمي في وسائل الاعلام بطريقة او بأخرى ادى الى نمو ما يسمى بالرقابة الذاتية عند الصحافي في الوطن العربي، مما قتل روح الابداع والابتكار عند القائم بالاتصال وهذا بطبيعة الحال ادى الى ضعف الاداء وتبني الشعارات والكلمات الرنانة على حساب الحقائق والواقع. ـ اتساع الهوة بين الجماهير والاعلام بحيث ان الاعلام اذا فشل في ادماج الجماهير وتمثيلها احسن تمثيلاً لدى السلطة والدفاع عن مطالبها ومصالحها فانه يهجر من قبل الجمهور وتضعف مصداقيته وتأثيره. ـ انعدام المصداقية واشراك الجماهير في العملية الاعلامية يؤدي الى هجرة وسائل الاعلام الوطنية والمحلية والتوجه الى الاعلام الخارجي، حيث ان المستهلك يتفاعل هنا مع طريقة مختلفة للطرح والتقديم والتحليل. ـ ضعف ادارة المؤسسات الاعلامية في الوطن العربي حيث التركيز والاهتمام بالدرجة الاولى على كسب رضا السلطة ثم تحقيق الربح او ضمان المعونة الحكومية، بغض النظر عن اهتمامات ومشاغل وهموم الشرائح العريضة في المجتمع، اضف الى ذلك في الكثير من الدول العربية المشرفون على المؤسسات الاعلامية لا يفقهون شيئا في الادارة والتسيير او لايعلمون ابجدية العمل الاعلامي ويكون القائم بالاتصال في هذه الحالة هو الضحية والضحية الاكبر بطبيعة الحال هي الجماهير ونتيجة لضعف الادارة تنعدم تقاليد العمل الاعلامي المحترف وتنعدم قيم الاحترافية الإعلامية وتسود سياسة ملء الفراغ بالمضمون المقبول الذي لا يزعج ولا يسبب مشاكل والنسبة القليلة او الحجم القليل من العمل الاعلامي الجيد في هذه الظروف الصعبة يلاقي الاستهزاء واللامبالاة والحسد والعراقيل المختلفة. ـ ضعف الانتاج كماً وكيفاً واعتماد التلفزيونات العربية على استيراد المادة الاعلامية والثقافية المعلبة التي قد تكون في معظم الاحيان غريبة وبعيدة كل البعد عن عادات وتقاليد وهموم واهتمامات الجماهير. ـ ضعف الابحاث والدراسات الاعلامية في الوطن العربي، حيث ان القائم بالاتصال والمؤسسة الاعلامية لا تملك في معظم الاحيان البيانات والاحصائيات والمعطيات الضرورية لتطويع الرسالة والمادة الاعلامية بما يلائم اهتمامات الجمهور المستهلك، في الكثير من الاحيان لا تعرف المؤسسات الاعلامية في الوطن العربي هل هي تساهم في عملية التغريب ام التهميش ام الادماج والتسييس ام السيطرة والتحكم ام ماذا؟ ـ انعدام الرؤية المستقبلية والسياسات الاعلامية الواضحة والثابتة حيث نلاحظ على سبيل المثال ان الدول العربية قاطبة اهتمت بموضوع القنوات الفضائية والقمر الصناعي العربي ولم تتأخر عن مواكبة تكنولوجيا الاتصال والغريب في الامر هنا ان ساعات البث التلفزيوني تضاعفت في الوطن العربي اما الانتاج فقد تراجع مما ادى الى تحول هذه القنوات الفضائية الى صنادي بريد توزع ما تنتجه استوديوهات هوليود وطوكيو وغيرها من الشركات المتعددة الجنسيات. تحديات متزايدة فاذا كان واقع اعلامنا العربي على هذا الشكل فهل يحق لنا ان ننتقد العولمة الاعلامية والثقافية ونحن لم نتسلح بالشجاعة الكافية لاعطاء الحرية اللازمة لجهازنا الاعلامي ليقوم بدوره كما ينبغي وهل يحق لنا ان ننتقد وكالات الانباء العالمية الكبرى على القيم الاخبارية التي تنقلها وعلى التغطية السلبية والمضللة التي تقوم بها في مختلف ارجاء العالم؟ وهل يحق لنا ان ننتقد الغرب وخاصة الولايات المتحدة الاميركية لسيطرتها على الانتاج الاعلامي العالمي وعلى القيم الاخبارية العالمية؟ وكيف يا ترى سنواجه القرن الحادي والعشرين ونحن لم نعرف بعد كيف نوظف ونستغل وسائطنا وصناعاتنا الاعلامية والثقافية كما يبنغي؟! ان تحديات القرن الحادي والعشرين والتناقضات السالفة الذكر التي يعيشها الاعلام العربي كلها تحتم على الانظمة العربية ضرورة مراجعة استراتيجياتها وفلسفاتها تجاه الاعلام. ونقطة البداية هنا تتمثل في ضرورة النظر الى وسائل الاعلام والى الجهاز الاعلامي بنظرة ايجابية تخدم المجتمع ككل وليس السلطة وحدها، وهذا لا يتأتى الا بتغيير وجهة نظرنا ازاء المواطن العربي حيث ضرورة النظر اليه كفاعل ومشارك ومساهم ومرسل، وليس كمنفذ وتابع ومستقبل فقط كذلك يجب علينا ان نقر حق الجماهير في التواصل والتفاعل مع وسائل الاعلام المختلفة، وهذا لا يتأتى الا بالعمل المؤسساتي وعن طريق الجمعيات بمختلف اشكالها وانواعها سياسية كانت ام اجتماعية ام ثقافية ام اقتصادية... الخ. ومن اهم مستلزمات الاعلام القوي والفعال في اي مجتمع حرية التعبير وحرية الرأي وحرية الوصول الى المعلومات هذه المستلزمات يجب ان نعمل على توفيرها وعلى اكتسابها كسلطة وكقائمين بالاتصال وكمثقفين وباحثين ووسطاء ثقافيين.. الخ، وبدون هذه المستلزمات فانه لا يحق لنا الكلام عن المجتمع المعلوماتي والثورة الاتصالية والعولمة الثقافية وغيرها من التحديات العديدة والمختلفة التي نعيشها اليوم وبصورة فائقة. وباختصار فان عالمنا العربي بحاجة الى تحرير الفرد واعطائه كافة حقوقه اذا اراد ان يواجه تحديات الالفية الثالثة. ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة