الاربعاء 5 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 8 يناير 2003 في ذات الوقت الذي يدخل فيه اليمني عابد عبدالرزاق الى مستشفى جبلة ليقوم بجريمته ويقتل الاطباء الاميركيين بدم بارد، فان العديد من زملائهم الغربيين يوقدون الشموع امام مبنى الامم المتحدة في بغداد مصطحبين معهم اطفالا عراقيين يحملون لافتات تطالب بوقف صرخات الحرب وتحكيم العقل الذي غيبته الإدارة الاميركية بعد احداث سبتمبر. وفي ذات الوقت الذي يحاول فيه مسلمو اميركا والغرب التقرب من القاعدة المسيحية التي بيدها مفاتيح اختيار حكامها وتوجيه سياساتهم واجلاء بعض الغبار عن خلفية الصراع العربي الاسرائيلي الذي تراكم بفعل اهمالنا الاعلامي ، فان رصاصات حمقاء يطلقها من لا يقل حماقة عنها تصيب كل تلك الاعمال في الصميم وتحطم بناء لايكاد يقوم اساسه. هناك تصادم قاس بين اليمين المسيحي واليهود عقائديا، ومع ذلك فهم حلفاء الآن بشكل يمكنهم من رسم سياسات المنطقة وتغيير حكامها وتعديل خرائطها، فكيف حدث هذا؟ ومن الذي كان يخطط له ؟ إن رؤية اليمين المسيحي لإسرائيل توراتية عقائدية، فهي تقوم على وجوب قيام دولة اسرائيل واعادة بناء الهيكل والذي سيتبع بسنوات عجاف من الجوع والزلازل والامراض حتى نزول المسيح مرة اخرى الى الارض لتقوم المعركة الفاصلة بين قوى الخير وقوى الشر على تل في فلسطين يدعى هرمجدون لتنتصر فيها قوى الخير وليتحول اليهود بعدها الى المسيحية، ومن يرفض منهم او من غيرهم سيموت موتة بائسة، وسيقود المسيح بعد ذلك المؤمنين به الى مملكة الخلاص. اما اليهود فانهم لايؤمنون بالتحول اليهودي الى المسيحية، ولا يؤمنون بنزول المسيح مرة اخرى، ويرون ان قيام دولة اسرائيل حماية لليهود ابناء الله واحباؤه من عاديات الزمن، وحدود دولتهم غير معرفة ولن تعرف لانها ستتوسع حسب الحاجة، فهي الارض التي منحها الله اليهم دون سائر البشر الذين خلقوا لخدمتهم، ويرون ان المسيحيين على دين باطل لايلتقي واليهودية في مكان. لقد اجتمع اليمين المسيحي واليهود على هدف واحد دون سائر كل تلك الخلافات، فاذا كان المسيحيون يريدون قيام دولة اسرائيل استعدادا لنزول المسيح، ليكن، ولينسى الجميع ما الذي يمكن ان يحدث بعد ذلك، فاليهود يغرون اليمين المسيحي بالاستثمار والدعم السياسي والعسكري استعدادا للمعارك الفاصلة القادمة، ولسان حالهم يقول : الا تريدون عودة المسيح؟ اذن ساعدونا على انشاء دولتنا وحمايتها من قوى الشر، مع اننا لا نؤمن بما تهذون به، الا اننا بحاجة اليكم لنحقق هدفنا. لنعود الان الى بعض متطرفينا الذين يعتقدون انهم سيدخلون الجنة خالدين بقتلهم بعض الاطباء العزل في قرية نائية في اليمن او باغتيال الامين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني اثناء خطبته في مؤتمر عام، فهؤلاء تقوم فلسفتهم على انانية متطرفة لاترى خيرا للامة، بل يكفي ان يقنع احدهم نفسه انه سيدخل الجنة راضيا مرضيا عنه وما يحدث بعد ذلك لا يهم، ومن يفتي بقتل الاخرين الذين ليسوا على دينه اليوم، سيفتي بقتل من ليسوا على منهجه غدا. ان النفس البشرية مكرمة عند الله بغض النظر عن دينها ولونها وجنسيتها، ويجب ان لانسمح للبعض بتدميرها والقيام باعمال حمقاء تصيب الامة في الصميم وتودي بمقدراتها وتفسد اخلاقها. لقد تكرر قتل العديد من الغربيين الذين لا ناقة لهم ولا جمل فيما يحصل، فقد قتل دبلوماسي اميركي يعمل في هيئة اغاثية في الاردن، وقتلت سيدة اميركية تعمل في مستوصف في لبنان ثم جاء دور هؤلاء الاطباء في اليمن، فهل من صالحنا ان نستعدي حتى اصحاب القلوب الرحيمة الذين يعملون في ديارنا؟ ما الخير من وراء قتل هؤلاء ؟ فاذا كان القتل بدعوى انهم يبشرون بالمسيحية، فقد اعطينا الاميركان والغربيين اعذارا جيدة لقتل كل الدعاة المسلمين هناك. لقد استطاع اليهود استخدام اليمين المسيحي لتحقيق حلمهم الدنيوي، واستخدموا اقصى اليسار لحمايتهم من الابادة، واستخدموا كل الاتجاهات بينهما تحت دعاوي عدة لا مجال لحصرها ولكنها تصب في مصلحة دولة اسرائيل في نهاية المطاف، ونحن لدينا الكثير الذي نستطيع ان نتقارب به مع الغالبية العظمى من مسيحيي العالم الذين يستطيعون ان يضغطوا على حكوماتهم لعمل شيء لوقف الظلم الذي يقع علينا، ولكن اخفاقنا في ذلك يجب ان لا يدفع متطرفينا لاستعداء الجميع علينا. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»