الاربعاء 5 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 8 يناير 2003 لا تحتاج اسرائيل الى الجهر بأن الغزو الأميركي للعراق، أيا كانت شعاراته، يخدم مصالحها المباشرة في المنطقة عموما وضد العرب والفلسطينيين بشكل خاص. مع ذلك فهي تعمد الى اعلان ذلك في كل مناسبة، بل وتلجأ الى التشجيع على الغزو عبر فبركة أسباب له ومبررات بعضها موجود وبعضها غير موجود. آخر ما جهرت به في هذا المجال ادعاؤها بأن أسلحة دمار شامل عراقية نقلت الى سوريا في المدة الأخيرة، وبأن علماء عراقيين ذهبوا الى ليبيا للعمل في مشروعات تسلح هناك، وبأن خطة «تقاسم عمل» بين واشنطن وتل أبيب قد وضعت، أو هي قيد الوضع، لجعل الحرب المقبلة في المنطقة حربين : احداهما أميركية في العراق، والثانية اسرائيلية في كل من فلسطين وسوريا ولبنان. وتعبير «تقاسم العمل» ليس تهمة عربية أو فلسطينية لاسرائيل او للولايات المتحدة، ولا هو أيضا من قبيل التخمين. انه الصيغة التي استخدمها المحرر الأمني لصحيفة «هآرتس» الاسرائيلية أمير أورن في توصيفه للنقاش الدائر الآن بين تل أبيب وواشنطن حول طبيعة الحرب المقبلة. فهي حرب اسرائيلية، وضد المنطقة العربية كلها، حتى لو كانت حربا أميركية تشن على العراق لهذا السبب أو ذاك، أو لهذا الهدف الأميركي أو ذاك. دلالات التوقيت وليس من دون أهمية أن تأتي الادعاءات الاسرائيلية الجديدة في هذا الوقت بالذات لتشكل جزءا من الحملة الانتخابية لرئيس الوزراء ارييل شارون وحزبه، تكتل «ليكود»، عشية الانتخابات العامة المقررة في السادس والعشرين من شهر يناير الحالي. الا أن الأهمية الحقيقية، بل والاستراتيجية، تبقى في الحرب الأميركية اياها، سواء كانت غايتها مجرد نزع أسلحة العراق، أو حتى تغيير النظام فيه، أو كما هي فعلا احتلاله عسكريا لفترة طويلة ومصادرة ثرواته على طريق فرض هيمنة أميركية كاملة على المنطقة كلها وتطويعها سياسيا واقتصاديا وثقافيا أيضا. ولا نقاش في أن مصلحة اسرائيل والصهيونية العالمية تكمن في مثل هذه الحرب، أيا كانت أهدافها الآنية أو الاستراتيجية. ففي اعتقاد شارون أن تضخيم الأخطار التي تحيط باسرائيل، من سوريا من جهة ومن لبنان عبر «حزب الله» من جهة ثانية الى جانب الخطر المحتمل من العراق، يعطيه مبررا لسياساته المتشددة - الرافضة عمليا - لوجود الشعب الفلسطيني ولمسألة التسوية بشكل عام. الا أن من شأن نجاحه في الانتخابات على هذه الخلفية - أو حتى عدم نجاحه ؟! - أن يضع أية حكومة اسرائيلية مقبلة، مهما كانت وأيا كان رئيسها وائتلاف الأحزاب الذي تتشكل منه، أمام مقاربة لقضية التسوية لا تختلف كثيرا عن مقاربة شارون لها طيلة العامين الماضيين : الغاء اتفاق اوسلو، واقامة حكم ذاتي فلسطيني للضفة الغربية وقطاع غزة في ظل استمرار الاحتلال الاسرائيلي للمنطقتين. لكن الخطة الاسرائيلية في عمقها، ومعها طبعا خطة الصقورالمسيطرين على كل من البنتاغون ومجلس الأمن القومي الأميركيين، لا تقف في الواقع عند هذا الحد. هي تتطلع الى ما بعد الغزو.. الى رضوخ المنطقة الكامل للهيمنة الأميركية والثمار التي تجنيها اسرائيل من هذا الرضوخ. أما الدلائل على ذلك فكثيرة ومتنوعة، حتى أنها كشفت نفسها بصراحة ووضوح بالغين على امتداد الشهر الماضي من عمل المفتشين في العراق. بين هذه الدلائل ما يأتي : لا تخفي اسرائيل أنها لا تريد للنظام في العراق، بصرف النظر عن الأسباب التي تدعوه للاعتدال في الفترة الحالية، أن يتعامل بأية ايجابية، ولو بأدنى حد، مع قرار مجلس الأمن الرقم 1441 أو مع المفتشين الدوليين أو مع استجواب العلماء العراقيين من قبل المفتشين داخل العراق أو خارجه. موقف اسرائيل هذا يحمل أبعادا خاصة، برغم أنه يتشابه مع موقف الصقور الأميركيين الذين عمدوا منذ اللحظة الأولى الى التشكيك في قبول بغداد للقرار، ثم في استقبالها للمفتشين، ثم في بيانها حول الأسلحة التي تمتلكها، وصولا الى دعوتها موظفين من الاستخبارات المركزية الأميركية للقدوم الى العراق من أجل العمل مع المفتشين وقيادتهم الى أية مواقع قد يملكون عنها معلومات ليست لدى المفتشين أو لدى مجلس الأمن. رد الفعل الأميركي على ما قام به العراق لم يخرج عما كان عليه موقف واشنطن قبل القرار 1441، وفحواه الادعاء بأن حكومة بغداد تكذب في المعلومات التي تقدمها، وبأن عمل المفتشين ليس جديا بعد أو أنه لم يصل بعد الى نهايته. أما رد الفعل الاسرائيلي فزاد على ذلك أن العراق لا يفعل في الواقع سوى أنه يقوم ب «تهريب» أسلحته المحظورة الى سوريا و«حزب الله»، وارسال علمائه الى ليبيا، تحت ستار أنه ينفذ قرار مجلس الأمن ويسهل مهمة المفتشين. واذا، فمع أن بغداد حالت حتى الآن دون اعطاء واشنطن ذريعة تبرر بها حربها ضدها، فان العاصمة الأميركية لم تنجح في المقابل في تقديم أي دليل تبرر به ذرائعها للحرب. مع ذلك تتصرف ادارة بوش كما لو أن حربها ضد العراق بدأت فعلا، بحسب مراسل «النيوزويك» الذي أمضى يومين في الاسبوع الماضي على متن حاملة الطائرات «كونستليشن» في مياه الخليج. بل انه عندما يقول بوش انه لا يعرف ما اذا كان العراق يملك سلاحا نوويا، وانه يأمل بأن تنتهي قضيته مع العراق سلميا، وعندما يقول وزير الخارجية كولن باول ان بوش لم يتخذ قرار الحرب بعد، فان مسئولين اسرائيليين فضلا عن مسئولين أميركيين آخرين يردون بأن الحرب حتمية وان موعدها فقط هو الذي لم يتقرر. قاطرة الحرب لا تدع اسرائيل فرصة من فرص التحضير الأميركي للحرب دون أن تستغلها لمصلحتها. فعلت ذلك عندما سارعت للقفز الى قطار «الحرب على الأرهاب» فور حديث بوش عن تلك الحرب غداة الحادي عشر من سبتمبر 2001. ثم انها تسللت بعد ذلك الى القاطرة الأولى، لتحشر نفسها من ثم على مقعد القيادة، شريكة في القرار أو حتى شبه وحيدة فيه باعتبارها الأكثر خبرة بالمنطقة وبأنظمة الحكم فيها وطرق التعامل معها. في احد السيناريوهات الموضوعة للحرب، قررت اسرائيل لنفسها دورا قتاليا مباشرا بعكس ما كان عليه حالها في حرب العام 1991، عندما منعها بوش الأب و«التحالف الدولي» يومها من أي دور. وعندما جوبهت بتحفظ واشنطن على دورها الجديد، فانها أثارت احتمال تعرضها لقصف صاروخي من العراق - كما حدث سابقا - وعدم قدرتها على البقاء مكتوفة اليدين ازاء ذلك. حتى اذا وضعت الولايات المتحدة في خطتها، تطمينا لاسرائيل، أن تكون احدى ضرباتها الأولى موجهة ضد مواقع الصواريخ في الغرب العراقي بدعوى أنه يمكن من هناك فقط اطلاق الصواريخ على اسرائيل، فان هذه الأخيرة طرحت موضوع غرب الغرب العراقي.. أي ما تدعيه الآن عن أسلحة عراقية في سوريا ولدى «حزب الله» الخ. أكثر من ذلك، فحرب الابادة التي تشنها حكومة ارييل شارون على الشعب الفلسطيني بدعوى انها جزء من «الحرب على الارهاب» لا تخرج عن هذا السياق. وسواء التقت المصالح الأميركية ( اذا كانت هناك مثل هذه المصالح ) مع مصالح اسرائيل في شرذمة الشعب الفلسطيني وتهجيره وابادته، او لم تلتق، فالمحصلة انما تصب في خانة اسرائيل أولا وقبل كل شيء، بل وفي خانة اسرائيل وحدها. كما لا يخرج عنه حتى استهداف اسرائيل المباشر لموظفي الأمم المتحدة، والوكالات الدولية، العاملين في الأراضي الفلسطينية. ألا يعطي استخدام واشنطن حق «الفيتو» ضد مشروع قرار قدمته سوريا في مجلس الأمن الدولي بأدانة قتل أحد موظفي «الأونروا» بأيدي الجيش الاسرائيلي هذا المعنى ؟!. وهل اذا زلت مثلا قدم احد موظفي الأمم المتحدة، أو انزلقت سيارة احد المفتشين، العاملين حاليا في العراق، سيكون رد الفعل الأميركي مماثلا لموقفها هذا ؟!. حرب اسرائيلية لا نقاش في اسرائيل، ولو اعلاميا أو حزبيا أو شعبيا، حول أية سلبيات قد تنتج عن الحرب الأميركية ضد العراق ويكون من شأنها أن تنعكس تاليا على اسرائيل، مع أن مثل هذا النقاش بدأ يشكل حالة سياسية وشعبية ضاغطة في داخل الولايات المتحدة نفسها. في الولايات المتحدة يتساءلون حاليا، حتى في داخل الأدارة نفسها، عن التكاليف البشرية والمادية لهذه الحرب، وعما اذا كانت مثل هذه الحرب ضرورية أصلا، وعما اذا كان الرئيس العراقي صدام حسين أكثر خطرا على الشعب الأميركي من كيم جونغ ايل أو اسامة بن لادن الخ.. لكن لا سؤال في اسرائيل الا عن موعد هذه الحرب وعما سيكون عليه وضع العراق - ووضع المنطقة العربية كلها طبعا - بعد هذه الحرب. عفوا، هناك سؤال وحيد طرح في احدى الصحف الاسرائيلية، وبقلم أحد المعارضين لسياسات شارون، هو ما اذا كان الرئيس بوش سيجد نفسه بعد الحرب على العراق مضطرا لممارسة الضغط، أو حد ما منه، على اسرائيل لاعادتها الى طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين أو لفرض تجميد الاستيطان أو ما شابه ذلك. أكثر من ذلك، تبدو دوائر صناعة القرار في اسرائيل حاليا في وضع من لا يتصور تراجعا أميركيا، تحت أية حجة ولأي سبب من الأسباب، عن قرار غزو العراق بعد أن حشر بوش نفسه في زاوية بات يصعب عليه الخروج منها بسهولة سواء داخليا أو دوليا. فهي ترى أن بوش لم يعد، بعد عامين من تعبئة الأمة تحريضا على العراق وتهديدا بشن الحرب لازالته واقامة نظام حكم جديد في بغداد، في وضع يسمح له بتعبئة الأمة في الاتجاه المعاكس فضلا عن محافظته على هيبة «الدولة العظمى الوحيدة في العالم» بتراجعه عن هذا الموقف أو بالاعتراف بخطأ اتهاماته للنظام العراقي. وقد يكون ذلك صحيحا، الا أن ما تفعله اسرائيل هو محاولة تطويق مثل هذا الاحتمال، في حال بروزه، والعمل على دفع ادارة بوش على طريق الحرب أيا كانت التطورات في العراق على صعيد عمل المفتشين، وفي الولايات المتحدة على صعيد تزايد الأصوات المعارضة للحرب.. أو كما قيل أخيرا، لتورط الولايات المتحدة في ثلاث حروب في وقت واحد : في العراق وكوريا الشمالية فضلا عن الحرب المستمرة بعد في افغانستان. هل يكون من شأن هذه الحرب، الاسرائيلية أولا وقبل كل شيء، أن تعني شيئا بالنسبة لبعض العرب الذين يندفعون لتقديم الأرض والأجواء والمال، طائعين أو مختارين، ووضعها في خدمة حرب الولايات المتحدة على العراق ؟! ـ كاتب لبناني