الاربعاء 5 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 8 يناير 2003 من اين جاء تمويل فيلم «محمد ـ سيرة نبي» الذي عرض على شبكة P.P.C الاميركية، وكيف تم انجاز الهدف رغم تنامي التحديات؟ هل جاءت الاموال من احدى الجهات الحكومية في العالم العربي او الاسلامي؟ ام جاءت عن طريق تبرعات سخية جاد بها اغنياء المسلمين من المقيمين على ارض الولايات المتحدة مما فتح الباب امام الفكرة الجديدة لتنساب بشكل طبيعي وسلس من عقل كرونمر المشرف والمخرج للفيلم الى الورق، ثم الى مرحلة تشكيل فرق العمل واختيار الممثلين، ثم تحديد مسار العمل ومراحل تنفيذ الفيلم وأخيراً مرحلة العرض والتوزيع، كل ذلك حدث والدعم المادي الاسلامي حاضر ومتوفر؟! الجواب: قطعا لا، لم يحدث شيء من ذلك على الاطلاق. ولقد تعمدت ان أؤجل الحديث حول موضوع المخصصات المالية التي رصدت للفيلم، واخرجته الى النور على ذلك النحو الرائع من الجودة الفنية والمهنية العالية، والحس الاعلامي المتميز الى جانب توفر نص علمي حاز على اعجاب غالبية المشاهدين حتى نتأمل هذه التجربة الثرية ونقف على ملامحها، ونستخلص الدروس العملية التي يمكن اخذها من هذه التجربة التي حدثت على ارض الولايات المتحدة، ولها ارتباط عضوي بنا على النحو الذي يدفعنا لنكون في قلب الحدث، ان لم يكن اثناء الصناعة والتنفيذ فلا اقل من ان نكون معها بعد نجاحها، واستقطابها للرأي العام الاميركي، ودخولها تحت دائرة الضوء بصورة غير مسبوقة. ان اغلب المخصصات المالية التي رصدت للفيلم جاءت من الشعب الاميركي نفسه، وعن طريق تبرعاته الدائمة والمستمرة لشبكة p.p.c التلفزيونية. وتشكل هذه التبرعات في مجملها اغلب مصادر الدخل لهذه الشبكة، كما تشكل المخصصات الحكومية المالية الجزء المتبقي من ميزانية الشبكة وهي نسبة قليلة اذا ما قورنت بحجم الدعم الشعبي المقدم لها. وهنا استأذن القاريء الكريم ليشاركني في تأمل هذه التجربة الرائدة، وان يعيش تفاصيلها، لكي يصل الى قرار يخصه كمسلم ويعنيه كفرد عليه واجبات كثيرة تجاه امته وقضاياها الكبرى. وتأتي خصوصية التجربة من حيث كونها حدثاً غير مسبوق على مستوى العمل الاسلامي داخل الولايات المتحدة، وشكل حدوثها نقلة نوعية في طبيعة الخطاب مع ذلك المجتمع، واضفى قدراً من الحيوية والانفتاح لم يكن متوفراً فيما سبق. كما تفرض علينا هذه التجربة ان نعيد حساباتنا من جديد نحو عشرات القضايا الغائبة عنا، وتحتم علينا ان نعيد ترتيب اولوياتنا، وان نشكل قناعاتنا وفق ما يقوله الواقع، وتستند اليه الحقائق، وتخبر عنه احداث الحياة، وليس وفق احكام ناقصة، ومخاوف لا معنى لها، واوهام هي اقرب إلى نسج خيال العجائز منها الى خيال الافراد الاقوياء القادرين على اداء المهمات الصعبة. الشيء المثير في التجربة ان من موّل المشروع الاسلامي هو الشعب الاميركي نفسه من خلال تبرعاته الخاصة والتي قيل ان بعضها لم يتجاوز العشرة او العشرين دولاراً فقط قدمها اشخاص من ذوي الدخل المحدود الى الشبكة التلفزيونية التي عرضت فيلم «محمد ـ سيرة نبي» مرات عدة رغم معارضة اللوبي الصهيوني لهذا العرض مما يدل على امكانية تفعيل الموارد المالية الخاصة بالافراد مهما كانت ضئيلة ومحدودة اذا ما اجتمعت على هدف موّحد مثل وجود محطة منتمية الى المجتمع وليس الى الدولة مما يعيد الى الاذهان من جديد الفكرة التي تصر عليها كاتبة هذه الزاوية، وتصر معها اقلام كثيرة سبقت الى تأكيد وجهة النظر القائلة بان الامم تستطيع ان تفعل الكثير فقط لو توحدت على هدف مشترك، وقررت ان تختار مصيرها بنفسها، وان تحقق ما تريد عبر التزامها بأدوارها التنموية وليس عن طريق تكتيف الايدي والقاء اللوم على الاجهزة الرسمية وحدها والتخلص من اي تبعة او مسئولية تجاه تغيير الواقع السلبي. كان هذا هو احد الدروس المهمة التي حملتها هذه التجربة الاعلامية الرائدة. ولعلنا في الغد نتعرف على درس آخر حملته هذه التجربة إلى شعوب وحكومات العالم العربي. وهو درس يحمل ملامح خطة العمل المقبلة المرشحة لانجاح هدف مد الجسور بيننا وبين الآخرين. ذلك الهدف الحضاري الذي نسيناه زمنا طويلا ونحاول اليوم ان نلتقطه عبر اشارات من هنا وهناك تدعونا الى السرعة القصوى في اعتماده كهدف محوري لا يمكن تجاهله مرة اخرى.