الثلاثاء 4 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 7 يناير 2003 عندما أخبرتني السيدة توني ليفرساج أنها متخصصة في الأدب اليوغسلافي، وأنها عرفت الروائي العظيم أيفواندريتش شخصيا. كما ترجمت رواياته الى الدنماركية. خاصة رائعته «جسر على نهر درينا» التي كانت سببا في حصوله على جائزة نوبل سنة اثنين وستين من القرن الماضي. عندما علمت ذلك أمتد جسر حميم بيني وبينها، وكأني أعرفها منذ زمن، كأنها امتداد لعلاقتي كفارتي بايفو اندريتش الذي لم أعرف عنه وعن شخصه الا أقل القليل، بدأت أتحين الفرصة لكي استمع منها. لكي تحدثني عنه، كان البرنامج مركزا. كثيفا، ولم يكن هناك وقت الا لرؤية أقل القليل من معالم الدنمارك، أقصد مدينة كوبنهاجن العاصمة والتي يعيش فيها ربع السكان البالغ عددهم حوالي خمسة ملايين ونصف. في اليوم الوحيد المتاح للتجوال. كان أمامي عدة بدائل، أن أمضي اليوم كله في زيارة القلعة التي دارت فيها أحداث المسرحية الرائعة «هاملت»، انها تحتاج الى ساعة ذهابا وأخرى إيابا. وعلى الأقل ساعة أخرى أمضيها هناك، سألت عددا من الأصدقاء المقيمين والذين زاروا الدنمارك من قبل، أدركت أن القلعة مكان سياحي أكثر منه تاريخي، صحيح أن أحداث المسرحية تدور في القلعة، لكن ليس من الثابت تاريخيا زيارة شكسبير لهذه البلاد. وبالتالي للقلعة، انه شكل ذكي من الحكومة للاستفادة من عمل أدبي وشخصية أصبحت من رموز البشر والإنسانية لكي يصبح المكان الذي ذكر في المسرحية مزارا عالميا يقصده ملايين السياح الذين يترددون على البلاد خاصة في الصيف، لا يوجد في الدنمارك آثار قديمة عديدة مثل بلادنا، ولذلك تضفي أهمية خاصة على اشياء تبدو لنا عادية، وتقوم الدعاية المركزة والذكية باضفاء هالة تضخم من الشيء مثال ذلك تمثال، «سيدة البحر» المستوحى من احدى قصص أشهر أديب دنماركي، هانز كريستيان اندرسن، أشهر أديب كتب قصصا للأطفال في العالم، هذا التمثال رأيته العديد من المرات في مجلات وكتب، ومطبوعات شتى، حتى أصبح راسخا في وعيي، وعندما شرعت في السفر كانت رؤيته احد أهدافي الرئيسية. هكذا استقر أمري على رؤية التمثال الشهير الذي يعتبر رمزا لكوبنهاجن، وفي كل مكان تطالعني صورته أو نماذج مستنسخة منه، ولقاء أهم روائية دنماركية عند الظهيرة، ثم لقاء السيدة توني لتحدثني عن ايفواندريتش. حوالي العاشرة جاء الصديق الشاعر العراقي الفقير المقيم في الدنمارك ليصحبني الى موقع التمثال الشهير. يقع على صخور البحر، على مسافة خمس عشرة دقيقة مشيا من الفندق، البرد محتمل اثناء السير في الشوارع، لكن عند الوصول الى النواصي، أو الأماكن المكشوفة، تهب الرياح بلا مانع، تبدو حادة، رغم درجة الحرارة التي كانت النشرات تقول انها دون الصفر بدرجتين الا ان البرد القارس لم يحل بعد. مازلنا في بداية ديسمبر، خلال مشينا الى موقع التمثال بحذاء الشاطيء مررنا بتمثال للجندي الدنماركي الوحيد الذي سقط اثناء غزو الألمان للبلاد في بداية الحرب العالمية الثانية. دخلت الجيوش النازية في التاسع من ابريل سنة أربعين وتسعمائة وألف. ولم يقتل الا هذا الجندي الذي خلدوه بإقامة تمثال له، سمح الألمان للحكومة بالاستمرار لأنها كانت تلبي مطالبهم، لكن المقاومة المدعومة من الحلفاء بدأت واتسعت، عندئذ تولى الألمان حكم البلاد بأنفسهم، خلال سنوات الحرب العالمية الثانية تعرضت المدن الدنماركية لغارات جوية عنيفة من الحلفاء. وكما اخبرني منعم الفقير بدأت عادة اضاءة الشموع، كانت الستائر زرقاء اللون تسدل على النوافذ، خلفها توقد الشموع للاضاءة الخافتة حتى لا تتسرب الى الخارج، من هنا بدأت الشموع تصبح رمزا قوميا، لاحظت اشتعالها في المطاعم، المقاهي، في البيوت، وراء النوافذ، وعندما يجيء كاتب لاجيء يخرج الأدباء ليستقبلوه حاملين الشموع المشتعلة، ولا أدري في أي اغراض أخرى يشعلون الشموع! أخيرا.. وصلنا الى الشاطئ، ثمة صخور رمادية، متساوية تقريبا. واضح أن اليد الإنسانية بذلت جهدا حتى تظهر بهذا الشكل، اشار منعم الفقير الى تمثال صغير لا يتجاوز حجمه كينونة صبية في الحادية عشرة أو الثانية عشرة. «هذا هو تمثال سيدة البحر».. لما لاحظ منعم دهشتي، قال ان معظم من يجيئون لرؤيته تدركهم الدهشة لصغر حجمه، الحقيقة أنه في الصور يبدو أكبر بكثير. التمثال كقطعة نحت جميل، يبدو كأنه جزء من الطبيعة، من الصخور. النصف الأعلى أنثى بشرية عارية. والنصف الأسفل لسمكة، أنها عروس البحر كما نعرفها في تراثنا الشعبي. وكما يعرفها الصيادون في البحر الأحمر، سمكة من الثدييات البحرية تشبه على البعد الانثى، تأملت التمثال الشهير، والتقطنا الصور بجواره، أو تحديدا بالقرب منه. وعدت لالتقي بأشهر روائية دنماركية، السيدة كريستين ثوروب بأحد المقاهي المطلة على القناة. في نفس المقهى جاءت السيدة توني ليفرساج. إنها في السابعة والستين، لكنها تفيض حيوية، تكتب القصة والمقال. لكنها تعتز جدا بعلاقتها بايفواندريتش. لقد درست الأدب الصربو كرواتي في بلغراد منذ عام سبعة وخمسين الى تسعة وخمسين في جامعة بلغراد. وعندما عادت الى كوبنهاغن بدأت تبحث عن ناشر لترجمة رواية «جسر على نهر درينا» ولاقت ترحيبا من الناشر جرافيك فورلاج الذي كان لديه فيما يبدو معلومات عن احتمال فوز اندريتش بجائزة نوبل. وقعت توني عقدا في ابريل. وانتهت من الترجمة في أكتوبر من نفس العام. لكن اندريتش حصل على نوبل في العام التالي (واحد وستين). ظهرت الرواية ولاقت نجاحا كبيرا، في سنة ثلاثة وستين ذهبت توني بصحبة زوجها الى يوغسلافيا، زارت المدن التي كتب عنها اندريتش مثل (ترافنك) و(فيشغراد)، في مدينة ترافنك اقاما في فندق قبل مغادرتهما في اليوم التالي، علما بوجود حفل أدبي، ذهبا اليه، وفي الصالة لمحت انيو اندريتش جالسا بمفرده في القاعة. كانت توني تعرفه من صوره جيدا. اتجهت لتحيته وقدمت زوجها إليه، رحب بهما ودعاهما الى الجلوس معه، وبدأت الصلة القوية بين توني والمؤلف العظيم الى أن رحل عن عالمنا، ترجمت له عددا من القصص القصيرة، وفي بداية التسعينيات صدرت طبعة جديدة من روايته الجسر مع تصاعد الحرب المأساوية في البوسنة. اطلعتني توني على كتاب بالصربوكرواتية يضم فصولا عن حياة ايفواندريتش، ورسائل خاصة متبادلة مع مترجميه ومع أصدقائه، بينهم رسائل متبادلة مع توني نفسها، أهم ما في الكتاب صور ايفواندريتش في مراحل حياته المختلفة. كانت توني تستعد لزيارة القاهرة بعد أسبوع واحد. ضمن وفد ثقافي يضم عددا من الأدباء الدنماركيين، عرضت عليهم أن استعير الكتاب النادر، وان أعيده اليها في القاهرة، لم تتردد. حملته معي وكنت أقلب صفحاته متأملا الصور، وملامح الأديب الذي أحببته، وأعجبت بأدبه الرائع، خاصة رواية الجسر التي صدرت في القاهرة، بعد شهور قليلة من حصوله على نوبل، ترجمها المرحوم الدكتور سامي الدروبي، المترجم والدبلوماسي السوري العظيم، مازلت احتفظ بالنسخة، كان ثمنها تسعة وعشرون قرشا، ورغم صدور طبعات عديدة فيما تلا ذلك، الا انني مازلت احتفظ بتلك الطبعة الأولى واستعيدها مرارا. عدت الى القاهرة لأنسخ الكتاب بالوسائل الحديثة، اصبح لدى نسخة كاملة منه محفوظة على اسطوانة مضغوطة، يمكن طبع أي نصوص أو صور منها، بعد عودتي الى القاهرة بأيام قليلة، فوجئت بهاتف يرن في الصباح الباكر، أسرعت للاجابة، جاءني صوت توني: «أنا في القاهرة».. قلت مبتسما: «أهلا بك في مصر». ثم قلت: «شكرا على الكتاب. يمكنني أن أعيده إليك عند لقائنا». لعل هذا الكتاب أثمن ما عدت به من رحلتي إلى بلاد الشمال، أهم من عروس البحر، والقلعة التي لم أزرها، وبالتأكيد لم يزرها شكسبير أيضا.