الثلاثاء 4 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 7 يناير 2003 القى جاك شيميناد محاضراته هذه الايام على منبر مركز زايد بمدينة ابوظبي وعلى منبر المركز الدولي للتحليلات الاستراتيجية بدولة قطر، وكان له لقاء بقناة «الجزيرة» وآخر مع كوكبة من اساتذة جامعة قطر وبالطبع طالت لقاءاتي الشخصية بهذا الصديق وكانت لنا احاديث منعشة ومفيدة عما ينتظر منطقة الشرق الاوسط من سلام أو من زلازل، حسب ما تفرزه هذه الايام القلقة العصبية من احداث حبلى بالمفاجآت. وقد سعدت شخصياً لدعوة هذه المؤسسات الخليجية المحترمة لرجل مثقف وسياسي مخضرم يتميز بالنزاهة والجرأة في طرحه ويشرفه بخاصة موقفه المساند لقضية فلسطين على مدى اكثر من ربع قرن، والمساند للحق العربي وللدور الحضاري الكبير الذي تؤديه دول الخليج على الساحة الدولية. وقد عرفت جاك شيميناد شخصيا منذ خمسة وعشرين عاماً وكان في مرحلة قطيعة من حياته الفكرية والسياسية، حينما استقال من منصبه كأمين عام للجنة العلاقات الخارجية بالاتحاد الاوروبي.. الذي لم يكن في ذلك العهد إلا سوقاً اوروبية مشتركة، وكذلك من منصبه كمسئول المبادلات التجارية في سوق «وول ستريت» بمدينة نيويورك، ومن منصبه الرفيع بوزارة المالية والاقتصاد بباريس.. ليدخل معترك السياسة من خندق المعارضة المدنية الفكرية، فانشأ حزباً سياسياً هو حزب العمل الاوروبي الذي تتجاوز فعالياته واهتماماته فرنسا لتحتضن قضايا القارة الاوروبية والذي سيساهم فيما بعد في بناء الاتحاد الاوروبي. وشرع جاك يكتب الكتب وآخرها عن الرئيس الفرنسي ديجول والرئيس الاميركي ايزنهاور ورجل الاقتصاد الفرنسي جون موني، كما ان له كتاباً عن رسالة فرنسا الحضارية وآخر عن انهيار المؤسسات الاقتصادية الاميركية، وترشح سنة 1995 للرئاسة الفرنسية امام جاك شيراك، فكان من بين المرشحين السبعة النهائيين الذين وصلوا الى «نصف النهائي» قبل التصفيات النهائية وقاد حملة مشرفة في الرئاسيات جلبت له احترام كثير من شرائح الشعب الفرنسي والمنظمات السياسية. هذه بعض محطات رحلة حياة جاك شيميناد وهو يواصلها بحرصه على قول كلمة الحق ضد التعصب الصهيوني والارهاب الاسرائيلي.. واعتقد انه اليوم على رأس «لوبي» نافذ في الاتحاد الاوروبي ولديه علاقات وطيدة مع اعداء الحرب في الادارة الاميركية وخاصة مرشح الرئاسة الاميركية السابق ليندن لاروش. وقد توطدت علاقتي به على هذا الصعيد.. فأنا احترم بصدق هذا المعدن من الرجال الاوروبيين والاميركان الذين يقفون ويصمدون ضد التيار الجارف والمشوه للحقائق والمدلس للتاريخ، فهم اصوات تخرج من بين صلب الحضارة الغربية وترائبها وتخدم قضايانا وتنطق بلساننا، وربما وجهت هذه الاصوات الينا نقداً نزيهاً حباً فينا وليس تجنياً علينا. عرفت الصديق الكبير جاك شيميناد في ايام المنفى الصعبة كذلك فوجدته نعم النصير ونعم السند، وشاركته في القاء محاضرات حول العلاقات الدولية والحوار الاسلامي الغربي على منبر المعهد العالمي «شيلر» الذي كان يرأسه في اوروبا.. وذهبنا معا الى واشنطن وروما وبون ودوسلدورف، وحاضرنا معا في باريس وفي جامعة السوربون بالذات والتقت افكار عربي مسلم مع افكار اوروبي مسيحي. وقد تضلع جاك في الثقافة العربية الاسلامية وبخاصة في عهد حضورها بالاندلس، وكتب عن ذلك العهد الذهبي اجمل البحوث مما يخدمنا ويرفع رؤوسنا. هذا هو جاك.. المثقف والسياسي ورجل الاقتصاد النزيه والمنصف والواثق والجريء. في هذه الرحلة الخليجية التي اسعدته، أثار جاك قضايا وملفات المستقبل على ضوء الخرائط الشرق اوسطية التي يعاد رسمها بريشة الصقور الاميركان لخدمة مصالح الشركات الكبرى المهيمنة على أميركا وعلى العالم.. وعلى العولمة.. وأثار واجب اوروبا الاخلاقي لتقف مع الصين ومع الامة الاسلامية، لإحباط مؤامرات المتطرفين الصهاينة الذين ينتظرون سقوط العرب في فخاخ العولمة ليخرجوا من دائرة التاريخ الحديث ويتركوا المجال فسيحاً للمطامع الاسرائيلية الخارجة عن القانون الدولي والشرعية الدولية. تكلم جاك عن واجب العرب لاعادة قراءة الواقع الراهن بعيون اخرى وبأدوات اخرى، من اجل التأثير الحقيقي على الاحداث وعدم الاكتفاء بموقف المتفرج على تقرير مصيره ضد ارادته. انها ملفات حية وساخنة ونحن العرب نحتاج احيانا الى اضاءة مخلصة تسلط على واقعنا من خارج حضارتنا، وشيميناد من هذه الاضاءات، بل الاشراقات التي تنير دروب المصير لانها اضاءات من مسافة اخرى ومن فضاء مختلف، ومن الاعماق شكرا لجاك شيميناد وشكرا لكل من دعاه واستمع له وحاوره. ـ كاتب تونسي alqadidi@hotmail.com