الثلاثاء 4 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 7 يناير 2003 هل هناك فارق حقيقي بين «فتح» و«منظمة التحرير الفلسطينية» و«السلطة الوطنية الفلسطينية»؟ ان ضرورة معرفة الاجابة الكاملة عن هذا السؤال هي ان نفهم ما يبدو غريبا من حين لآخر عندما يصدر من السلطة الفلسطينية مثلا «كما حدث بالفعل قبل يومين» «تحذير» موجه الى «فتح» من القيام «بممارسات غير مسموح بها». ووجه الغرابة يتمثل في ان الكيانات الثلاثة تتقاسم رئاسة واحدة.. او هكذا هو المفترض. فالرئيس ياسر عرفات هو رئيس فصيل «فتح» ورئيس التنظيم المظلي الذي يضم «فتح» مع فصائل اخرى تحت اسم «منظمة التحرير الفلسطينية» ورئيس الحكومة الفلسطينية المعروفة باسم «السلطة الوطنية». ولايزداد الامر إلا تعقيداً اذا اضفنا الى هذه الكيانات الثلاثة الفصيل القتالي الذي يطلق عليه «كتائب شهداء الاقصى».. اذ بينما من المفترض ان يكون هذا الفصيل تابعا لفتح فإنه ليس واضحا ما اذا كان خاضعاً لسلطان الرئيس عرفات او ليس خاضعا او خاضعا لكنه متمرد على قيادة عرفات. «فتح» هي التنظيم الاساسي الاصلي للنضال الفلسطيني الذي ولد في المهجر ـ وتحديداً في الكويت ـ عام 1958 بزعامة عرفات. والحروف ف. ت. ح هي اختصار للاسم الرسمي الكامل «حركة التحرير الفلسطينية» اذا قرئت الحروف بالمعكوس ـ من الآخر. و«منظمة التحرير الفلسطينية» التي انشئت عام 1964 هي ائتلاف تنظيمي موسع يضم الى جانب «فتح» فصائل اخرى ابرزها «الجبهة الشعبية» و«الجبهة الديمقراطية». اما السلطة الوطنية الفلسطينية، فهي الهيئة السلطوية الرسمية التي افرزها اتفاق اوسلو مع اسرائيل عام 1993 لتكون «حكومة» محلية انتقالية في الاراضي المحتلة. لقد دخلت الثورة الفلسطينية عهداً جديداً تماماً لمرحلة ما بعد اوسلو.. ابرز تطوراته اختلاف الرؤي ـ الى درجة التناقض احيانا ـ بين العناصر القيادية التي كانت تمارس النشاط النضالي في المنفى خارج الاراضي المحتلة ورصيفاتها في الداخل، وهناك عاملان اديا بصفة خاصة الى تفاقم الخلاف.. أولاً المسلك العدواني القمعي لكوادر الاجهزة الامنية التابعة للسلطة الفلسطينية تجاه منظمات ونشطاء الداخل.. وثانيا: اندلاع الكفاح المسلح مع اشتعال الانتفاضة الثانية ابتداء من سبتمبر 2000. والصورة النهائية التي تبلورت الآن تعكس ان هناك تيارين متناقضين من حيث الاقتراب من قضية التحرير: تيار يعتنق مبدأ الوسيلة السياسية السلمية.. والآخر يعتمد مبدأ الكفاح المسلح. التيار الاول يمثله عرفات كرئيس لفتح ومنظمة التحرير والسلطة الوطنية ومن بقي من شخصيات المنفى. والتيار الثاني تتقدمه «حماس» و«الجهاد» ومعهما المنظمات الفرعية التي نشأت ايضا داخل الاراضي المحتلة من بعض فصائل منظمة التحرير كالجبهة «الشعبية» و«الجبهة الديمقراطية» وعلى هذا الاساس نشأ من خلال تفاعلات الانتفاضة المسلحة تنظيم مظلي جديد مناظر لمنظمة التحرير الفلسطينية هو «اللجنة الوطنية والاسلامية لقيادة الانتفاضة» التي تضم ممثلي 13 فصيلاً لكن ماذا جرى لفصيل «فتح»؟ فصيل «فتح» انقسم عملياً الى كيانين: كيان يضم شخصيات المنفى التقليدية الموالية لعرفات ونهجه السلمي ويرفض الكفاح المسلح.. وكيان آخر من جيل جديد يمارس نشاطه ميدانيا متبنيا نهج الكفاح المسلح ولذا لم يكن غريبا عندما انضم هذا الكيان الراديكالي الى ائتلاف الفصائل القتالية الاخرى المسمى «اللجنة الوطنية والاسلامية لقيادة الانتفاضة». ماذا نستخلص من هذا كله؟ نستخلص أولا ان الرئيس عرفات لم يعد يتمتع بسيطرة فعلية تذكر إلا على جهاز السلطة الفلسطينية ـ أو بالاحرى ما تبقى من هذه الاجهزة فمنظمة التحرير الفلسطينية لم يبق منها في موازاة «اللجنة الوطنية والاسلامية» سوى الاسم. وتنظيم «فتح» بات تحت قيادة شبابية جديدة هي التي انشأت فصيله المسلح «كتائب شهداء الاقصى». وعندما ننظر من خلال هذا الاستخلاص في «التحذير» الذي صدر قبل يومين من وزير الداخلية في السلطة الفلسطينية والموجه الى «فتح» من القيام بممارسات غير مسموح بها، فإننا نقف على المغزى الحقيقي الذي يتضمنه. لقد صدر التحذير الرسمي في اعقاب عملية هجومية قامت بها «كتائب شهداء الاقصى» اصابت فيها خمسة جنود اسرائيليين بجراح خطيرة، ومع وقوع العملية على خليفة استمرار القوات الاسرائيلية في عمليات القتل العشوائي وتهديم المنازل وتجريف المزارع والحصار والتجويع فإن البيان التحذيري للسلطة الفلسطينية يؤكد على رفض السلطة الكفاح المسلح حتى لو كان رداً على عدوان كاسح وعنيد. واذا اخذنا في الاعتبار ان هذا التحذير السلطوي لابد ان يكون قد صدر بإذن من الرئيس عرفات فإن الاستنتاج الواضح هو ان الرئيس عرفات يقر ضمنيا بأن «فتح» خرجت عن سيطرته التنظيمية. مع هذا كله فإن قيادات الفصائل المسلحة لاتعترض على زعامة الرئيس عرفات للحركة التحريرية الفلسطينية اذا قبل عرفات النزول الى الميدان كقائد وطني وليس كرئيس سلطوي وفق برنامج نضالي يتفق عليه الجميع لا يستثنى نهج الكفاح المسلح. أحمد عمرابي وقف بيونج يانج تجاه هذه الضغوط، وكسرها لطوق العزلة المطلوبة على المحاولات العربية لمعادلة الرادع الاسرائيلي غير التقليدي. على أن التوجه الاسرائيلي يتطلع - راهنا ومستقبلا - الى ما هو أجدى من التوسل بدبلوماسية الضغوط الموسمية التي يمكن اختراقها. فثمة في أفق النظام الدولي ما يسمح لاسرائيل بالسعي الى حسم احتكارها لقوة الردع اقليميا والتخلص من المماحكات العربية، أو العربية الاسلامية، المضادة لهذه الحالة. فالحليف الاميركي يكاد ينفرد بتحديد ما يجوز وما لا يجوز في اطار المقاربة الدولية لقضية انتشار أسلحة الدمار الشامل. ومن الآيات الأخرى هذا الاستفراد المفضي الى تحقيق مصالح اسرائيل، الاتجاه الاميركي الى تعميم وتقنين مفهوم الحرب الوقائية والضربات الاستباقية ضد أعداء محتملين، وتعريف الارهاب على مقاس المفهوم الاسرائيلي لنبذ شرعية المقاومة، وتمرير قضية ارغام بعض الدول دون البعض - ومنها اسرائيل أساسا - على الامتثال للقرارات الدولية تحت طائلة العقاب المسلح.. فلماذا لا تطمع اسرائيل في جعل احتكارها للتسلح غير التقليدي في الشرق الأوسط مسألة طبيعية مسلم بها من جانب الجهات الدولية المعنية؟! بكلام آخر تستبصر اسرائيل في تمرد واشنطن على كثير من القواعد والمثل القانونية التي تكرست في سياق عهد الثنائية القطبية، واحلالها بقواعد أخرى تتسق وعهد الاستفراد الاميركي بقمة النظام الدولي وتجلياته في العلاقات الدولية، تستبصر في ذلك بيئة مواتية لتمرير مفهوم انتهازي لقضية حدود انتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، بحيث تجري مأسسة احتكارها لهذه الأسلحة.. وضمان اغلاق الأبواب على مقارعتها أو منازلتها في هذا الاطار، سواء عبر المطالبة بنزع أسلحتها أو باخضاعها للتفتيش والرقابة الدولية أو بسوقها للتوقيع على معاهدة حظر الانتشار أو.. بالتهاون مع أي نزوع عربي لحيازة ما يكفي لقيام حالة توازن للردع معها. القرار «1441» يوشك أن يفتح كوة في الموقف الدولي لتحقيق هذا الطموح. وأغلب الظن أن تغاضيه عن الاشارة بالتصريح «كشأن القرار 687» أو بالتلميح لتعميم مفهوم عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل أو التفتيش عليها في دول الشرق الأوسط، إنما يعكس مناخ المفاوضات الدولية التي هيأت له. لكن هذا التغاضي يعكس أيضا - وهذا هو الأهم - تراجع مكانة المنظومة العربية في هذه المفاوضات، قياسا بما كانت عليه هذه المكانة عند صدور القرار «687». لقد اضطرت ادارة جورج بوش عام 1991 الى صيغة القرار «687» بحسبها تكافئ محالفيها العرب فيما عرف بحرب تحرير الكويت، وتمهد لهندسة التسوية العربية الاسرائيلية أثناء التحضير لمؤتمر مدريد.. كما كانت تلك الادارة حديثة عهد بقمة النظام الدولي. لكن ادارة بوش الابن لها رأي آخر في زمن دولي آخر، وهي تكاد أن تكون رسولا للرغبات الاسرائيلية.. بعد أن نقلت العلاقة مع تل أبيب من الشراكة والتحالف الى طور الاندماج والانصهار. وقد أعطت هذه الادارة أذنا صماء للدبلوماسية العربية، على نحو ما مثلته دمشق مثلا بحكم عضويتها في مجلس الأمن، الهادفة لإحياء الفقرة 14 بالقرار «687» خلال المفاوضات حول القرار «1441»، غير أنه يصعب الجزم بما إذا كانت الدبلوماسية العربية قد بذلت الجهد المناسب لحمل القوى الدولية المتفاوضة، لاسيما أعضاء مجلس الأمن الدائمين فرنسا والصين وروسيا، على تبني رؤيتها بهذا الخصوص. إن فوات فرصة تضمين هذه الرؤية في صلب القرار «1441» لا يعني الاستسلام للتوجه الاسرائيلي. فانفراد اسرائيل بالرادع فوق التقليدي، النووي بصفة أساسية، ينطوي على خطر جسيم على الأمن العربي، بمعانيه القطرية والقومية. وذلك حتى في حال إقرار التسوية السلمية للصراع الاسرائيلي العربي. فلا ينبغي الملل أو اليأس من ملاحقة اسرائيل ومساءلتها عن برامج تسليحها غير التقليدي داخل المحافل الدولية وخارجها. مع الحرص على اعتبار قضية موازنة هذا البرنامج بأنماط الردع المثيلة أو البديلة المكافئة أو المعادلة هدفا استراتيجيا، يقود التخلي عنه الى مفاقمة توازن القوى الاقليمي لصالح اسرائيل بلا حدود. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة