الثلاثاء 4 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 7 يناير 2003 في لبنان معركة سياسية مجالها الاعلام، وهي معركة قديمة حول أدوات جديدة، فبجانب ما يعانيه لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية قبل أكثر من عشر سنوات، من تعثر في الوضع السياسي، يزيده تفاقما تعثر في المجال الاقتصادي، كما أن الجهد الذي يبذله بعض اللبنانيين من اجل إبقاء لبنان مُعوما في هذا الفضاء الشرق أوسطي المضطرب و المتغير، يُستنزف كثير من طاقتهم في المناكفات السياسية، عدا أن التحديات الداخلية والفئوية تزداد تعقيدا، يفرض تفجر معركة الأعلام على مصراعيها، إعادة الجدل من جديد حول دور لبنان العربي في المستقبل. وحيث ان القرار القضائي الذي اتخذ بمنع البث لقناة (أم تي في) تم تحت تأثير شُبه سياسية داخلية، فقد تم منع بث برنامج على قناة (نيو تي في) أو (القناة الجديدة)، بسبب ما قيل أن برنامجاً معادياً قد يصب في تسميم للعلاقة السعودية اللبنانية المتميزة قيد التحضير، قد أثارا معركة إعلامية، بين الحكومة وموقفها من الأخوات السبع، وهو عدد القنوات الفضائية العاملة في لبنان. وإذا كان القرار الأول قد اتخذته السلطة القضائية، فان القرار الثاني قد اتخذته السلطة التنفيذية، والقراران يفتحان قضية في لبنان، تتعدى حدوده، التي يقول عنها تنظيم التيار المعارض، أنها اصغر من أن تقسم، واكبر من أن تبلع، ليعود الجدل من جديد عن العلاقة بين ما يبث من لبنان من ترويج، وما يحدث في الجوار العربي، ويفتح النقاش حول دور الاعلام هل هو وسيلة بناء وتصالح، أو وسيلة هدم ومناكفة، والاثنان يخرجان الإعلام عن دوره المرغوب. وجبات و«سندوتشات» هناك من يعتقد أن المعركة هي محاولة استخدام وسائل قديمة في فضاء جديد، مختلف كل الاختلاف عن الماضي، فلبنان الذي كانت صحافته ومرابعه الإعلامية في الخمسينيات و الستينيات من القرن الماضي تعني شيئاً مهما ومؤثرا إلى حد كبير في الساحة العربية، وكانت مساحة ساخنة للمناكفات العربية وربما الدولية، إلي درجة أن رئيس جمهورية هو المرحوم شار الحلو، مازح الصحفيين اللبنانيين مرة بقوله أهلا بكم في وطنكم ( الثاني لبنان) لما يشعر به من ازدواجية في الصحافة اللبنانية وقتها التي كانت موزعة القلب والجيب خارج المصالح اللبنانية، لبنان ذاك هو غير لبنان القرن الواحد والعشرين، ليس بسبب تغير لبنان ذاته فقط، ولكن بسبب تغير الفضاء المحيط بلبنان، وتغير المتلقي أيضا، لذا فان المعركة الجديدة تخاض بأفكار قديمة. البعض من القابض على بعض وسائل الاعلام اللبنانية فاتته ملاحظة التغيير، فاعتقد انه يعيد هذه المرة المناكفات السياسية الإعلامية على شاكلتها الأولي، ولكن ليس عن طريق الصحافة، بل عن طريق البث التلفزيوني. برنامج (نيو تي في) الذي كان من المفترض بثه الأسبوع الماضي دفع رئيس الوزراء رفيق الحريري، وكذلك وزير الاعلام غازي العريضي إلى القول في تصريحاتهما أن لبنان لن يكون ساحة لتصفية الخصومات العربية، وهو قول صحيح بمطلقه، إلا أن غير الصحيح أن لبنان لا يستطيع الآن أن يؤدي ذلك الدور، ومن يعتقد انه يستطيع أن يفعل فهو يفكر في سنوات مضت. الدليل على القول السابق أن محطة نيو تي في، هي محطة ضعيفة القدرة على جذب المشاهد، وربما أفضل دعاية حصلت عليها حتى الآن هي في توقيف بثها، إلا أنها مثل معظم وسائل الاعلام في لبنان، لن تستطيع أن تؤدي دورا إعلاميا حديثا، وربما باستثناء محطة تلفزيون المنار، التي لها دور يتعدى المناكفات المحلية، فان الكثير من الأخوات السبع تلجأ إلى الترفيهية الذي يقبل عليه المشاهدون خارج لبنان. لم يعد المشاهد العربي ميالاً لمشاهدة محطات فضائية لا تقدم شيئاً، أو ليس لها شخصية محددة، والتلفزيون في لبنان يواجه صعوبات لن يحلها لجوء البعض، كما كانت الصحف في القديم، لمحاولة تمويل نفسها عن طريق خلق الإثارة و التحزب، وذلك لسببين أولا لان الإثارة مؤقتة، والثاني أن الرفد المالي في مثل هذه الحالات قصير النفس، يمكنه أن يوفر بعض السندوتشات، ولكنه لا يشكل وجبة. لا احد ضد الحريات، فهي مطلوبة، وان كان لبنان بمحطاته التلفزيونية السبع، يستطيع أن يحقق هذه الحريات له و للوطن العربي، فذلك أمر مرحب به، إلا أن المعادلة الصعبة تكمن في الموازنة بين الحريات، و الأموال الاستثمارية لمثل هذا النشاط الإعلامي، هذه المعادلة الصعبة قد توقع بعض المحطات التلفزيونية اللبنانية للسير في الطريق القديم، الاستزلام أو الابتزاز، وهو دور جرى تخطيه في المنطقة العربية. التوازن المفقود الأموال المطلوبة لتقديم بث تلفزيوني حيوي ومشاهد، هي أموال ضخمة، لا يقدم عليها غير دولة، أو صاحب مشروع سياسي كبير لديه فائض ينفقه، والصرف على المحطات التلفزيونية هي مثل إلقاء المال في فرن يأكل ورق البنكنوت بشهوة،و هو استثمار غير مجدي من الناحية الاقتصادية، لذا فان مثل هذا الأمر يوقع بعض هذه المحطات التلفزيونية العربية في لبنان وخارجه في الحاجة المالية، فتصبح برامجهم الممولة باهتة، وكذلك الحرية المتاحة تصبح عرضة للشراء لمن يدفع، فتفقد الحرية ومن ثم المصداقية التي يرغبها المشاهد. التعددية شيء جميل ومطلوب في الفضاء العربي بعد سنوات طويلة من الأحادية، وفي المدى البعيد قد يشجع العقل العربي المرتهن إلى رأي واحد ووجهة نظر واحدة، إلى النظر في وجهات نظر أخرى، إلا أن البحث عن التعددية يعيقها الارتهان للمال التمويلي، الذي لاشك يشترط معايير معينه للتمويل الذي يقدمه، كما يفقد المحطات التلفزيونية استقلالها المفترض. اللجوء إذن إلى الثلاثي القائم على الإثارة السياسية أو الجنسية أو الدينية، هي من الوسائل المرغوبة لبعض هذه المحطات لإثارة الانتباه ولفت النظر، وقد قدمت إحدى محطات التلفاز اللندنية في شهر رمضان الماضي برنامجاً اقل ما يقال انه استفزازي وغير عقلاني لإثارة الخلاف بين السنة و الشيعة وبطريقة مقززة، فقط لتسريع جلب التمويل. النظر في ملكية هذه المحطات وطريقة تمويلها هي التي تحدد مسارها المستقبلي، فان كانت شخصية، بدلا من أن تكون خاصة ،خضعت دون ريب إلى الأهواء و المصالح، ولعل المشروع اللبناني الذي تفكر فيه بعض الأوساط بان تفتح ملكية هذه المحطات كي تصبح ملكيات عامة، بعيدة عن تحكم الأشخاص وتوجه الأحزاب، هو احد الحلول للحفاظ على التوازن بين التمويل و الحريات. مما يعيق مثل هذه المحطات،و أيضا المحطات التلفزيونية الحكومية، هو أن التدفق الإعلامي، وخاصة الإخباري لا يزال، مثل مصادر الصحافة، ذا اتجاه واحد، من الغرب إلى الشرق، فلم يتكون للعرب، وربما لدول كثيرة أيضا، القدرة على إنتاج المعلومات، فتظل حبيسة تداول المعلومات القادمة من مصدرها الرئيسي هو الغرب، ووكالات أنبائه ومحطاته التلفزيونية، فيصبح البث العربي مكررا،ومتأخر زمنيا عن ما سمعه العالم وعرفه. معركة الحكومة اللبنانية مع الأخوات السبع تطرح قضية هي مستقبل البث التلفزيوني المستقل في منطقتنا، وهو ان لم يرشد ويساير العصر، سيأتي آخرون من خارج المنطقة لسد الفراغ. ـ كاتب كويتي