الاثنين 3 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 6 يناير 2003 موضوع الأمس المتعلق بالوضع السكاني والسياسات المتعلقة به أثار اكثر من ردة فعل وعلى مستويات عالية، لا لشيء الا لأن الموضوع السكاني من الخطورة بحيث لا يحتمل كل هذا التخبط الذي يحيط به، كما انه لا يحتمل هذه الطروحات العجيبة التي يثيرها البعض بين فترة واخرى فيما يتعلق بتمليك الاجانب ومنح الاقامات الدائمة و .. الخ. لقد تحدثت الى اكثر من رجل أعمال وناقشت معالي أحمد الطاير وزير المواصلات الذي تفضل بالاتصال والتعليق .. ومن كل ذلك خرجت بسؤال اتمنى من اصحاب نظريات الاستثمار الاجنبي ان يجيبونا عليه: ما هي القيمة الحقيقية التي سنضيفها للبلاد اذا نفذنا سياسة فتح الباب للاجانب؟ سنعطي امثلة بسيطة وسندع الجميع يقرأ ما بين السطور: دولة مثل سويسرا عدد سكانها حوالي المليونين نسمة، تتمتع باستقرار أمني كبير وبعلاقات جيدة مع المحيط، الا انك لا يمكنك بأي حال من الاحوال ان تتملك عقارا في الاراضي السويسرية برغم انها بلد الحياد والانفتاح والعلاقات الطيبة مع العالم بأسره !! علاقاتنا مع بريطانيا تاريخية ومميزة ويمكن ان تتملك عقارا هناك لكنك بأي حال من الاحوال لن تحصل على اقامة دائمة بسبب شراء منزل او امتلاك فندق !! اما في سنغافورة فانه يتحتم عليك ان تمر باجراءات معقدة بما فيها فحص دم الابوين من اجل الحصول على الجنسية، وبالنسبة لكندا فان على المتقدمين بطلب الاقامة الدائمة ان يكونوا خريجي جامعات عليا، يتقنون الانجليزية او الفرنسية، يتمتعون بخبرة لا تقل عن اربع سنوات للمستثمرين ورجال الاعمال مع شرط وجود خبرة في ادارة المؤسسات التجارية وتوافر رأس المال الجيد، والامثلة كثيرة ومتعددة لكن ليس من بينها بلد واحد يقول بمنح اقامة دائمة بمجرد شراء فيللا بنصف مليون درهم، كما تطالعنا بعض اعلانات الصحف المحلية عندنا. لقد منحت سنغافورة ترخيصا لشركة ادوية اميركية من اجل الاستثمار هناك ووفرت لها قرضا ضخما، لكنها اشترطت على الشركة بأن يكون هناك 5 سنغافوريين متواجدين في مختبرات الشركة سنويا للتدريب والعمل واكتساب الخبرة. وهي سياسة صحيحة مئة في المئة، وهذا ما نحتاجه تماما اذا فكرنا في فتح الباب للاستثمار حيث يجب ان يحاط هذا الأمر الخطير بالكثير من الضوابط والسياسات التي تحفظ حق المواطن وشخصية البلد. مرة اخرى نسأل: ما الذي سنضيفه الى بلادنا مقابل فتح الباب امام الاجانب؟ وأظن أن رجال الاعمال والغيورين لديهم الكثير من الخيارات والحلول .. لكننا كأناس معنيين بشأن هذا الوطن وحريصين عليه مثل غيرنا، نرى بأن خيار الاستثمار الصناعي صار امراً لابد من مناقشته وبصوت عالٍ، واتاحة الفرصة امام الشباب الاماراتي للتدريب واكتساب الخبرة الصناعية لتكوين القاعدة الاساسية في هذا المجال، امر يجب ان يكون امام انظار واضعي السياسة والمخططين واصحاب القرار. لا نريد ان نؤسس مدنا ومشاريع عملاقة لنملأها بالاجانب الذين يأتون بحلم الحصول على اقامات سريعة ودائمة بدون اي ضمانات وشروط، ولا نريد بنوكا وطنية اولا واجنبية ثانيا ان تفتح خزائنها لتمويل هؤلاء الاجانب بكل بساطة فنكون كمن باع ارضه ودفع هو الثمن مقدما!! علينا ان ننتبه لأننا نبني للغد ونؤسس لاجيال قادمة ونحتاج لكثير من اليقظة والحرص، ذلك ان الاوطان لا تبنى بالحديد والاسمنت فقط، انها تبنى اولا بالحب والحرص، ومن لا يكون حريصا على وطنه فلن يكون حريصا على اي شيء!!.