الاثنين 3 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 6 يناير 2003 ما أن تطل السنة برأسها.. حتى تتحرك اللواعج، أو قل المواجع اللغوية التي تظل كامنة مستكنة بين الجوانح طوال أشهر العام. ولسنا ندري من الشاطر الأريب الذي سبق إلى اصطناع التعبير الذي يتكرر كل 365 أو كل 366 يوما من حياة البشر.. تعبير رأس السنة والذي ندريه أن هذا الرأس يأتي في ميقاته فيسلم بعضا من الناس إلى هوجة من احتفال.. فيه عبرة احيانا، وفيه تأمل أحيانا ولكن قد تشوبه الحماقة في بعض الأحيان.. ولا بأس فقليل من الحماقة قد يذيب صدأ الرتابة من حياة البشر. لكن مشكلتنا اننا نعاني عند رأس كل سنة حالة من التفلسف ـ العمق من فضلك ـ تعود بنا الى التفكر في حكاية التقاويم والروزنامات والتواريخ والاشتقاقات اللغوية.. وتكون النتيجة أن تضيع علينا بهجة استقبال عام جديد إن كان في الأمر بهجة على الاطلاق، ولا سيما في العام الوليد.. والمهيض أيضا، 2003 الذي تسلم شعلة المواصلة من عام مضى ـ المسكين ـ مثخنا بكل أنواع الجراح. من أوجاع هذا التفكر ـ الفلسفي بعد اذنك ـ ان تتأمل مثلا.. مثلا مصطلح «تقويم» في حد ذاته.. وكم «دخنا السبع دوخات» كما يقول المثل الدارج في الاشتقاقات المتفرعة من الفعل الثلاثي المجرد في أجرومية العربية والمؤلف من حروف القاف والياء، وأحيانا الواو والميم.. ان استعنت بعمنا الكبير الفيروزبادي في قاموس المحيط فأنت ـ بعيد الشر ـ تغرق أو تكاد في طوفان التعابير والتفريعات والمصطلحات والمعاني المتشعبة الى كل فج وكل واد. لا يسعك من باب استرداد الانفاس الا أن تتواضع بقدر ما فتحيل من باب التيسير الى محيط المحيط أو قطر المحيط ومترحما في الوقت نفسه على أرواح أفراد من عائلة البستاني ومن عائلة اليازجي ومن لف لفهم ممن افنوا رحيق العمر في خدمة اللغة العربية وخاصة في لبنان ـ القرن التاسع عشر موصولا ـ كما لا شك تعلم ـ مع القرن العشرين.. وربما تتواضع أكثر وأكثر فتحيل الى معجم «المنجد للأب عيسى المعلوف» من لبنان أيضا أو الى المعجم الوسيط الذي أهداه إلى أجيالنا مجمع اللغة العربية الكلى الاحترام في القاهرة ورغم انك تنشد الاختصار فلسوف يروعك هذا الثراء الباذخ الذي تتسم به اللغة العربية: سوف تلمح كلمة التقويم (الروزنامة في اللسان الشرقي وقد يكون من أصل فارسي كما نتصور) - وقد احدقت بها كلمات ومعان ومصطلحات تشغل ثلاث صفحات من المعجم الوسيط ما بين معنى الاعتدال الى معنى الاصلاح الى معنى التثمين والتقدير الى ميكانيكا الروافع باستخدام القيم وهي البكرة الرافعة الى معنى منظومة القيم السلوكية (الاخلاقية) الى يوم القيامة (يصفه المعجم بأنه يوم الانبعاث بين الأرماس)! الى القيام بالأمر على الحكم ومقاليد السياسة الى القوامة بمعنى المسئولية إلى القومية وقد أفنينا زهرة العمر في خدمتها (طبعا اذا كانت عروبية) الى القامات وهم جماعة الناس ثم المقامات وهي الخطبة أو الرواية في آداب الابداع العربي والاقامة بمعنى المكث بعكس السفر أو الترحال. وربما افضنا في هذا الباب بحكم الحيرة التي ظلت تراودنا على مدار سنوات طوال حين كنا نستخدم كلمة تقييم لتنصرف الى معنى التقدير والتثمين والحكم على الشيء ظاهرة كان أو سلوكا أو خطة أو مشروعا.. فإذا بجهابذة اللغة يقولون لنا وعلى وجوههم علامات أقرب الى التشفي.. اللغوي طبعا: هذا غلط وصحتها تقويم.. وكنا نرد على استحياء.. لغوي أيضا بأن تقويم تختلط مع معنى الاصلاح واحيانا التأديب والتشذيب والتهذيب. والمهم ان ظلت الحيرة تتناوشنا الى أن جاءنا يوما أستاذنا الدكتور «كمال بشر» وهو حجة اللغة وركن من أركان مجمع القاهرة يبشرنا بأن مجمع الخالدين العتيد قد وافق على استخدام اللفظتين تقويم وتقييم.. أنت ومزاجك لاداء معنى التقدير واصدار الأحكام وتثمين القيمة. وعندنا في أغلب الظن أن المجمع أراد أن ييسر الأمور ولا يوقف المراكب السائرة أو المبحرة.. فكان أن أجاز التعبيرين على سبيل فض الاشتباك أو حقن الدماء تماما كما حسم المجمع في عام 1997 كما قد نذكر استخدام مصطلح «خصخصة» بعد ان ظل ـ المسكين ـ يتصعلك متطفلا على أبواب المجمع القابع في جلال تاريخي على شط نيل الزمالك وظللنا نحن ـ وخاصة في الأمم المتحدة ومنظومة الوكالات الدولية ـ في حيرة من أمر استخدامه اذ كان يقال ان خصخصة لفظ هجين لا أصل له في انساب لغتنا الموقرة ومن ثم تعددت استخدامات شتى لتؤدي معناه وقد احصيناها يوما فإذا بها تصل الى عشرة بالتمام والكمال ما بين تخصيصية الى مخاصة إلى خوصصة الى تخاص دع عنك التأميم العكسي أو التحول الى الملكية الخاصة أو نقل الملكية للقطاع الخاص.. الخ. وحين حسم المجمع اللغوي أمره واجاز حكاية الخصخصة وأدخلها من ثم الى متن القاموس اليعربي هدأت نفوسنا.. ولم نعد نتساءل ولا تساءل الذين يتشفون في حيرتنا عما اذا كانت ذات حسب ونسب في عمود اللغة أم أنها مولدة وربما مهجنة أو حتى دخيلة. فالمهم انها تؤدي مهمة وتعبر عن معنى.. وكفى الله المؤمنين. جاءت السنة الجديدة اذن لتعيد التفكير في مصطلح تقويم «وتدفع بنا كي نسرح الى أبعاد حياتنا العربية المعاصرة حيث تستخدم ـ بكل اريحية وسخاء.. أربعة تقويمات أو تقاويم أو روزنامات.. التقويم الميلادي الذي حسمه البابا جريجوري الثالث عشر وأعلن العمل به ابتداء من عام 1852 وعمد فيه الى تعديل التقويم الذي سبقه وهو اليوليوسي ـ نسبة الى يوليوس قيصر امبراطور روما الشهير.. وكان اليوليوسي يبدأ في 25 مارس فأصبح تقويمنا الميلادي الحالي يبدأ ـ بحمده تعالى ـ في أول يناير. التقويم الثاني هو بداهة الهجري الذي يعتمد الشهور القمرية وعدته 354 الى 355 يوما ولله در أمير المؤمنين العبقري عمر بن الخطاب الذي اختار هذا التقويم لخدمة الجماعة والحضارة الاسلامية وقد بدأ العمل به يوم 16 يوليو سنة 622 للميلاد وكان ذلك موافقا لسنة 17 من هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام. وهناك التقويم السورياني وهو الأقرب الى الجريجوري من حيث عدة الشهور ولكنه يتميز ـ كما تعرف ـ بأسماء هذه الشهور التي تبدأ من كانون الثاني (يناير) وتنتهي الى تشرين الثاني (نوفمبر) ثم كانون الأول (ديسمبر). وقد اعتمدت الدوائر الغربية الأمم المتحدة في تواريخها ومواقيتها كلا من التقويم السورياني والميلادي حيث يقضي العمل بكتابة شهر يوليو أو مارس.. وهكذا. أما التقويم الرابع فهو القبطي في مصر بالذات الذي يبدأ بشهري توت وبابه وينتهي بشهر أبيب ومسرى.. ورغم المحلية والتواضع اللذين يتسم بهما هذا التقويم الا انه الأدق بالنسبة لمواسم البذار والزراعة وجمع الحصاد لأنه يؤرخ لفصول السنة ويحرص على المفاعلة بين حالة الطقس وبين اطوار نمو الزراعة في شمال وادي النيل ولذلك فهو الروزنامة الأقرب مهنيا الى وجدان الزراع في مصر ـ من اتباع محمد والمسيح عليهما السلام. بالمناسبة فالتقويم عند الفرنجة هو «كالندر» وهي بدورها كلمة هامت على وجهها من اليونانية الى اللاتينية الى الفرنسية القديمة ومنها الى انجليزية العصر الوسيط ولكنها من حيث جذورها تعود الى مزيج مركب من لفظة «كالين» الاغريقية بمعنى الذيوع أو الاعلان ثم «داي» وهي اليوم (يقال انها مستعادة من معنى الضوء والضياء العربية) والمهم ان كالندى كانت تعني اعلان اليوم الأول من السنة ومن ثم اتخذوها بعد ان نضجت واستوت ـ كالندر ـ لتنصرف الى معنى التقويم الذي يحدد أيام السنة ومواقيتها الى اخر العالم. ومنهم لله.. هؤلاء الرومان: هم الذين رتبوا حكاية تكليف المنادين يجوبون طرقات الامبراطورية معلنين بدء أيام العام الجديد. بهذا اخترعوا حكاية رأس السنة الذي يطل علينا في غرة كل عام فيسلمنا الى ما حكيناه له من نوبات التفلسف والحيرة في بوادي المعاجم وفيافي القواميس.