الاثنين 3 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 6 يناير 2003 هل هناك قوة تركية داخلية تسعى لعرقلة انضمام تركيا الى عضوية «الاتحاد الأوروبي»؟ اذا كان اندماج تركيا مع أوروبا يعني تغريب المجتمع التركي واستئصال جذور انتمائه الى الحضارة الاسلامية، فان المنطق النظري يجب ان يقول ان الاسلاميين الاتراك ممثلين في حزب «العدالة والتنمية» ومنظمات خيرية اسلامية هم القوة غير المتحمسة لدخول تركيا «الاتحاد الأوروبي». لكن الواقع المرئي يفيد بغير ذلك تماما. فالقوة الداخلية التي تسعى الآن بوسائل غير مباشرة أو خفية لنسف عملية انضمام تركيا الى أوروبا هي المؤسسة العسكرية كما يمثلها طاقم الجنرالات الحاكم. ربما يكون هذا غريبا من المنظور الثقافي ـ السياسي على اعتبار ان الجنرالات هم ورثة كمال اتاتورك الذين نصبوا انفسهم «حماة للنظام العلماني». لكنه ليس غريبا على الاطلاق من المنظور البراغماتي. فالجنرالات يخشون من ان انضمام بلادهم الى أوروبا رسميا يعني ان تكون مبادئ الديمقراطية الليبرالية المطبقة في دول الاتحاد الأوروبي ـ وهي نظام لا يمكن ان يقال بحال من الاحوال انه ليس علمانيا ـ هي المرجعية النهائية لنظام الحكم في تركيا.. مما يعني بالتالي ان تتراخى قبضة العسكر على السلطة على طريق خسران السلطة نهائيا. بالطبع لن ينهض الجنرالات ليعلنوا جهارا نهارا أنهم يعارضون دخول تركيا الاتحاد الأوروبي.. ولذلك فانهم يستخدمون وسائل غير مباشرة لعرقلة عملية الانضمام، وفي مقدمة هذه الوسائل السعي لخلق أزمات يستهدف من ورائها استفزاز قيادة «حزب العدالة والتنمية» الحاكم بجرهم الى مصادمات سياسية مع السلطة يمكن ان تستغل بواسطة الجنرالات لتأخير اجراء انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي. ونعلم ان على رأس الشروط التي وضعها الاتحاد الأوروبي للنظر في طلبات الانضمام بمعايير الحريات وحقوق الانسان المطبقة في دول الاتحاد. ولعرقلة اجراءات دخول تركيا الى حيل دستورية وقانونية للعبث بهذه المعايير الأوروبية في اساليب تعاملهم مع حزب العدالة والتنمية والحكومة المنبثقة عنه. بدأت المناوشات عندما رفض رئيس الجمهورية احمد نجدت سيزار التصديق على مشروع قانون اجازة البرلمان الذي يتمتع فيه حزب العدالة والتنمية بأغلبية ساحقة يتضمن تعديلا دستوريا يمكن رئيس الحزب رجب أردوغان من تولي منصب رئيس الوزراء. ونعيد الى الاذهان ان هناك خطرا سياسيا على اردوغان بسبب صدور حكم قضائي عليه قبل بضع سنوات لادانته بالقاء قصيدة تدعو الى «التحريض الديني» في مجمع من انصار حزبه، وبموجب التعديل الدستوري الذي اجازه البرلمان يجوز الغاء الحظر السياسي المفروض على اردوغان. لقد اعاد رئيس الجمهورية مشروع التعديل الى البرلمان دون توقيع رئاسي. وكادت تقع أزمة سياسية بين النواب ورئيس الجمهورية لولا ان الاخير تنازل اخيرا حيث وقع على مشروع القانون بعد ان اجازه البرلمان مرة ثانية. واذا كان رئيس الجمهورية المسئول مباشرة لدى طاقم الجنرالات الحاكم قد انحنى هذه المرة امام الهيئة التشريعية فانه ربما لا يتصرف على هذا النحو في مرة قادمة اذا نشأت أزمة مماثلة مع البرلمان.. وبالتالي يقع صدام خطير. «الصدام الخطير» هو بالضبط ما يسعى اليه طاقم الجنرالات.. مما يبرر لهم اعلان «حالة طوارئ» تستمر لاجل غير مسمى مما قد يؤدي بدوره الى تأجيل النظر في ادخال تركيا عضوية النادي الاوروبي. ولذا فان من المتوقع ان يواصل الجنرالات خلق أزمة تلو أخرى مع الحزب الاسلامي الحاكم الى ان تقع مصادمة خطيرة. والازمة التالية المرتقبة الآن تتعلق بمسألة ارتداء الحجاب. ونشأت بوادر الازمة قبل بضعة اسابيع عندما ظهرت بولنت ارنج زوجة رئيس البرلمان ـ وهو في الوقت نفسه نائب رئيس حزب العدالة ـ في مناسبة رسمية وهي ترتدي الحجاب. ويجدر بالذكر ان القوانين العلمانية التركية التي تحظر الحجاب تنحصر في المؤسسات الحكومية. الآن يلمح المدعي العام الى انه لفت انتباه رئيس البرلمان نحو مسلك زوجته.. وبما ان بولنت ارنج تجاهل التحذير كما يبدو فان المدعي العام يهدد الان بفتح ملف تحقيق ضد الحزب الحاكم ومبادئه مستغلا مسألة الحجاب. واذا اخذنا في الاعتبار ان مشكلة الحجاب كان لها دور أساسي في حظر حزبين اسلاميين سابقين ـ «الرفاه» و«الفضيلة» ـ نهائيا وابعاد رئيس الوزراء الاسلامي السابق عن الحكم نجم الدين اربكان فان تحرش المدعي العام الآن بقيادة حزب العدالة الحاكم قد يتطور الى مستوى صدام يمهد الطريق للجنرالات للشروع في اجراءات تهدف الى نسف اجراءات دخول تركيا الاتحاد الأوروبي او على الاقل عرقلتها. والسؤال الذي يطرح هو: هل يستطيع الجنرالات بعد ذلك السيطرة على تداعيات يمكن ان تحدث على صعيد الشارع؟