الاثنين 3 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 6 يناير 2003 لم يعد خافيا ان هدف الولايات المتحدة الأميركية ليس ضرب العراق أو تغيير نظامه، بل يتمثل الهدف في اعادة ترتيب مصالحها في المنطقة العربية وفق توجهاتها الجديدة في النظام الدولي الذي يجري الترتيب له والذي اصبحت تحكمه المفاهيم الأميركية كالديمقراطية واقتصاد السوق وحرية المرأة، ومثل هذه المفاهيم تعتقد الولايات المتحدة الأميركية انه يجب تعميمها على الدول العربية كلها لأنها من بين الدول الوحيدة تقريباً التي لا تزال ترفض المبادئ الغربية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع. وقد كان وزير الخارجية الأميركية واضحا في هذا الموضوع عندما اشار الى المملكة العربية السعودية كواحدة من الدول العربية التي ترفض العمل بالنزعة الأميركية، ودعاها وزير الخارجية الأميركية الى تغيير مناهج تعليمها وعاداتها وتقاليدها، لأن هذه المبادئ في رأيه لا تتماشى والتوجه الدولي الجديد الذي أصبحت تهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. إن القناعة لدى الولايات المتحدة الأميركية بأن ما تسميه الارهاب الدولي مصدره الدول العربية والإسلامية كلها، ويعني ذلك في رأيها ان المفاهيم المعششة في فكر التنظيمات الارهابية مصدرها مناهج التعليم والعادات والتقاليد السائدة لدى المجتمعات العربية، مما يعني ان القضاء على الارهاب الدولي في التصور الأميركي يمر عبر تغيير هذه القيم والعادات والمناهج واستبدالها بالقيم الليبرالية والديمقراطية ومناهج التعليم السائدة لدى الغرب عامة. تاريخ معاد وللحقيقة ان الولايات المتحدة الأميركية لا تريد أن تؤسس نظاماً دولياً تكون فيه دول تتبنى طروحات وقناعات تتعارض مع قناعاتها، فمثل هذه القناعات تريد الولايات المتحدة الأميركية ان تفرضها على المجتمعات العربية خاصة المجتمعات المحافظة كالمملكة العربية السعودية، ويظهر من وسائل الاعلام الأميركية انها تقود حملة اعلامية على المجتمعات العربية المحافظة، والأكيد ان هذه الحملة خطط لها في المطابخ الأميركية والاسرائيلية، فالولايات المتحدة تعرف ان المنطقة العربية تمر بمرحلة صعبة من تاريخها من التفكك والانهيار الاقتصادي والعسكري والاجتماعي، وليس في مقدورها معارضة الولايات المتحدة أو حتى معارضة اسرائيل، بدليل ان هذه الاخيرة عاثت في فلسطين فساداً ولم تجرؤ أي دولة عربية ان تتخذ موقفاً مشرفاً، اللهم بعض البيانات والتنديدات التي لا تسمن ولا تغني وهدفها كان إرواء غليل الشارع العربي لا غير. يريد العديد من المسئولين الأميركيين إيهامنا ان العراق يشكل خطراً على السلم الدولي، والأخطر من ذلك انهم يريدون اشراك العرب في مخططهم الدولي الذي يستهدفنا أولاً وكأن التاريخ يعيد نفسه، ويذكرنا بأيام الحرب العالمية الأولى عندما طلبت فرنسا من مستعمراتها العربية المشاركة الى صفها في الحرب في مقابل ان تمنحهم حريتهم، وهرع وقتها الألوف من العرب الى الصفوف الاولى يقاتلون من اجل (مبادئ الحرية والليبرالية) كما كانت فرنسا توهمهم به، وعندما وضعت الحرب أوزارها طلبت المستعمرات العربية فرنسا بوعدها الذي قطعته لهم لكنها تنكرت لوعدها وعاثت في البلاد العربية فساداً، وهذا ما تريد الادارة الأميركية ان تكرره معنا، بأن نساعدها على تثبيت نظامها المزعوم ونغير من عاداتنا ونتخلى عن قيمنا ونلبس قبعة العام سام، في مقابل ان تمنحنا حفنة من الدولارات والمساعدات وعندها تصدق مقولة موشي دايان الذي قال عن العرب يوماً انهم لا يقرؤون التاريخ وإذا قرؤوه لا يفهمونه وإذا فهموه فإنهم سرعان ما ينسونه. لو تساءل أي إنسان عادي لماذا تحشد الولايات المتحدة الأميركية كل هذه الجيوش وتطالب دول العالم بالتعاون معها وكأنها سوف تواجه قوة دولية عظمى تمتلك افضل السلاح في العالم، مع ان هذه الدولة تعيش حصاراً منذ اكثر من عشر سنوات أودى بحياة اكثر من مليون طفل من أولادها، ومع ان هذه الدولة بشهادة الامين العام للأمم المتحدة ووزير الخارجية الأميركية تتعاون مع المفتشين الدوليين تعاوناً مقبولاً، ومع ان هذه الدولة قدمت قائمة بعلمائها على طبق من ذهب للولايات المتحدة الأميركية وكأنها تقول لها (أي للولايات المتحدة الأميركية) خذي ما تريدينه واتركينا نعيش بسلام! ماذا تريد الولايات المتحدة الأميركية أكثر من هذا التعاون من جانب العراق؟ ومع ذلك تجهز ادارة هذه الدولة العظمى للحرب بجيوش وعتاد لايخطر على بال. قبل أن ننقرض! إن أي عاقل سوف يكتشف حلاً للمعادلة القائمة وهي ان حشد كل هذه الجيوش ليس بدافع ضرب العراق لأن ضرب العراق اليوم لا يستدعي كل هذه الهالة والجميع يعرف ان العراق منهك وغير قادر على تحمل ويلات حرب أخرى، يكفي انه عاجز حتى عن مواجهة الانتهاكات التركية لحدوده التي اصبحت تتخذ من الأراضي العراقية ملاذاً لضرب أكراد العراق. فالحشد العسكري الحالي ليس هدفه ضرب العراق بل هدفه احتواء منطقة الشرق الأوسط كلها وإرغامها على الخضوع الى الأمر الواقع وأوله التكيف مع الطروحات الأميركية التي دعا إليها وزير الخارجية الأميركي، وعندما يتكلم وزير خارجية دولة عظمى فإن كلامه لا يعبر عن وجهة نظره وانما يعبر عن وجهة نظر ادارته ووجهة نظر مخطط رهيب اعد له مسبقاً، فالمعادلة هي ببساطة إما أن هذه الدول تتكيف مع المحددات التي تحكم الواقع الدولي الجديد وإما يضيق الخناق عليها عسكرياً وتصبح عاجزة عن الحركة الى ان تنصاع مكرهة ومرغمة للأوامر الأميركية، اما العراق فهو مجرد ذريعة اتخذت لتنفيذ المخطط، اما مسألة السلاح العراقي وما أثير حوله من شكوك فمجرد تكتيك لذر الرماد في عيون العرب وإيهامهم ان العراق خطر عليهم. اليوم الادارة الأميركية محرجة من العمل الذي يقوم به المفتشون الدوليون والذين زاروا اكثر من 300 موقع لم يعثروا فيه على سلاح فتاك، مما يعني ان ما كنا نقرأه في الصحف الأميركية والبريطانية عن امتلاك العراق لسلاح نووي وجرثومي وبيولوجي مجرد أكاذيب، بل حتى التقرير الذي كان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير قدمه أمام مجلس العموم والذي ادعى فيه ان العراق يخبئ أسلحة فتاكة تقرير غير موضوعي، وها هي الوفود الدولية التي تفتش عن الاسلحة العراقية تدحض تلك التقارير... ومع كل ذلك لا تزال الادارة الأميركية تزعم انها تمتلك الدليل على امتلاك العراق لسلاح التدمير الشامل، وإذا كانت تمتلك هذا الدليل لماذا لا تقدمه لهانز بليكس وتريح نفسها والعالم من هذه الهالة حول الحرب؟ نقول اننا نمر بمرحلة صعبة تتطلب من العرب كل العرب اتخاذ موقف عاجل، لأن مصيرنا ووجودنا اصبح محل مساومة، والخوف كل الخوف ان نكون مرة اخرى على هامش النظام الدولي الذي يجرى الترتيب له، والخوف كل الخوف ان يأتي يوم ننقرض من عالم الدول كما انقرضت حضارات سابقة!! ـ كاتب جزائري