الاثنين 3 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 6 يناير 2003 رغم نجاح رئيس الوزراء اللبنانى رفيق الحريرى بعد سلسلة من الاجراءات والقرارات والمواقف التى اتخذها خلال الأيام الماضية وحوار تلفزيونى مطول مساء الخميس الماضى فى أن يكون مركز الحدث اللبناني مع بداية عام جديد إلا أنى طوال أيام بقائى فى بيروت خلال الأسابيع الثلاثة الماضية كنت أشعر أنى أسير فى جنازة الحكومة اللبنانية. فالصحف الصباحية بتوجهاتها المختلفة عدا الموالية لرئيس الوزراء رفيق الحريرى تكاد تتحول معظم افتتاحياتها، وكتابات كتاب الأعمدة فيها إلى ندب ولطم وبكائيات على الحكومة التى سبق وأن نعاها ورثاها نائب رئيس الوزراء عصام فارس، بعدما أودعها رئيس البرلمان نبيه برى غرفة الانعاش. أما نائبه إيلي الفرزلى فقد قبرها ووضع شاهد القبر عليه، أما بعض الوزراء فقد ساروا فى المظاهرات المناوئة لها وكالوا الاتهامات إليها وكأنها شيء آخر غير ما ينتسبون إليه. وكان من التعبيرات التى قرأتها تصريحات وزير الصحة سليمان فرنجية بعد لقائه مع البطريرك المارونى نصر الله صفير حيث قال «إن التغيير الحكومى يصبح يوما بعد يوم واقعا وأن الحكومة الجديدة ستكون كالسابق يأتى العاشق ويذهب المشتاق» وقد ذكرنى وصفه هذا بالشخصية الكاريكاتورية للكاتب أحمد رجب التى يرسمها الفنان مصطفى حسين فى صحيفة «الأخبار» المصرية حينما تكون هناك إرهاصات بأى تغيير وزارى فى مصر وهى شخصية «عبده مشتاق». ورغم الهدوء الذي يعيشه الرئيس الحص إلا أنه هو الآخر خرج عن هدوئه ووجه اتهامات وانتقادات مريرة للحكومة وتحدث عن فساد وفاسدين لا ينالهم شيء من العقاب أو حتى مجرد توجيه السؤال لهم. وفى الوقت الذى يترقب فيه الجميع الموازنة التى يمكن أن تقبر الحكومة بعدها كما قال عصام فارس فإن الرئيس الحريرى ينظر إلى الأمر بمنظار آخر، حيث ان رأس الحكومة طالما بقي مع كثير من جسدها فى تصوره فإن التغيير ربما يطال فقط بعض أعضائها المشاكسين، ولعل أبرز المشاكسين وزير الأعلام غازى العريضى الذى شارك فى نعى الحكومة بل إنه يعتبر من أشد المنتقدين لها، رغم تساؤل الكثيرين ولماذا يبقى وزير فى حكومة ينتقد سياستها ويكيل لها الانتقادات ويشارك فى مظاهرات ضدها ؟ لكنها لبنان ولعبة السياسة فيها، ولعل مراسم النعى وترتيب مراسم جنازة الحكومة ومواكب اللطم التى تنظمها معظم الصحف اللبنانية تتم فى أجواء داخلية عصبية. فمحطة تليفزيون «إم تى فى» صدر حكم قضائى نهائى بإغلاقها وسط نقاشات عن ملابسات الحكم وصراعات بين مالكها وشقيقه وزير الداخلية السابق ميشيل المر حتى ان لقاء قرنة شهوان اعتبر فى نقد شديد للحكومة وسياستها أن الحكم القضائى بإغلاق «إم تى فى» بمثابة «اغتيال كامل للجسم القضائى عبر قرار قرار سياسى بغطاء قضائى يضرب الحريات والعدالة». ومساء الأربعاء الماضى عاشت لبنان أجواء مشابهة حينما أمر المدعى العام بوقف البث الفضائى لمحطة «الجديد أو نيو تى فى» بعد إصرار مالكها تحسين الخياط على أن يبث برنامجا ينتقد المملكة العربية السعودية، وأمام إصراره على بث البرنامج الذى كان قد سجل معظمه على البث الأرضى فقد هدد بإغلاق المحطة لكنه امتثل فى النهاية لقرار النائب العام وسط تفسيرات عن صراعات شخصية بينه وبين رئيس الوزراء رفيق الحريرى الذى أكد فى حواره التليفزيونى مساء الخميس الماضى بأن لبنان «يعيش مرحلة النهوض» وأكد بأن الخطر قد زال عن البلد وسط أتهامات لم تتوقف عن صفقة الهاتف الخليوى التى قيل عنها ما لايمكن تخيله من عمولات وحصص مالية وأموال ضائعة على الحكومة أو بالأحرى على الشعب الذى يعيش ظروفا عصيبة. وبين حديث الحريرى عن الرخاء والاستقرار وحديث نائبه ورئيس البرلمان وبعض الوزراء عن جنازة الحكومة يجد المراقب نفسه أمام تناقضات الساحة اللبنانية وكأن المنتقدين يتحدثون عن حكومة أخرى فى عالم آخر أو مؤسسات فاسدة موجودة فى أدغال إفريقيا، لاسيما وأن الذين يفضحون بعض جوانب الفساد فى الدولة ليسوا من المعارضة وإنما هم من أعضاء الحكومة، جلست مع كثير من الاعلاميين وبعض السياسيين محاولا فهم الصورة منهم فأعجبت بقول أحد المخضرمين منهم حيث قال لى: «الذى سيحدث ليس ما يريده هذا الوزير أو ذاك لأنهم يمثلون فى النهاية القوى المختلفة والمتباينة على الساحة. ومهما كان قول هذا أو انتقاد ذاك فلن يحدث تغيير إلا إذا أرادت سوريا لأننا جميعا هنا نلعب تحت السقف السورى باختلاف توجهاتنا وآرائنا وسوريا تترقب ما يمكن أن يحدث للعراق ولاتريد المغامرة بتغيير فى الحكومة وسط الصورة الضبابية القائمة، لذا فلن يحدث شيء قبل شهرين أوثلاثة، من هنا فإن الحكومة اللبنانية باقية حتى هذه المدة حتى وإن كانت فى غرفة الانعاش». شكرت صديقى وعدت إلى فندقى حيث كنت فى انتظار صديق آخر للحديث حول نفس الموضوع. وفى باحة الفندق صادفنى بعض الشباب الخليجيين الذى ملئوا فنادق لبنان قبيل ليلة نهاية العام فحيونى فرددت التحية عليهم ثم قال لى أحدهم فى اهتمام «أستاذ أحمد هل أنت موجود هنا فى بيروت لتغطية حفلة نجوى كرم ؟!». ـ كاتب وإعلامي مصري