الاثنين 3 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 6 يناير 2003 على شبكة P.P.c الاميركية عرض فيلم «محمد ـ سيرة نبي» من اخراج اليكس كرونمر وانتاج الشبكة نفسها التي يأتي اغلب تمويلها من تبرعات المواطنين الاميركيين وقليل منه فقط يأتي عن طريق الحكومة الاميركية نفسها. هذا الفيلم الوثائقي تناول وبموضوعية شديدة وبتميز لافت سيرة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وعرض على احدى الشبكات التلفزيونية الجادة المعروفة بموضوعيتها وحياديتها تجاه الصراع الدائر في الشرق الاوسط. وقد نال الفيلم نجاحاً باهراً وحطم اسطورة احتكار اليهود للشبكات التلفزيونية الاميركية الامر الذي قطع الشك باليقين على قدرة اعلامنا الاسلامي على النفاذ الى وسائل الاعلام الاميركية فيما لو توفر العمل الجيد والنص الجيد وفيما لو توفرت الارادة والايمان بالهدف العظيم وبالذات في امكانية تجاوز الازمات، وتخطي الصعاب، وقبول التحدي مهما كان حجمه ووزنه وهويته. مخرج الفيلم اليكس كرونمر وهو اميركي مسلم اثبت وجهة النظر هذه عمليا، واستفاد من حجم الانفتاح المقبول والمواتي لشبكة P.P.C الاميركية، ودخل بثقل اعلامي جيد يتناسب مع الظهور في احدى شبكات البث العام التي تحظى بجماهيرية كاسحة، وهو ما شجعه على السير الى الامام بخطوته الجريئة في التعريف بالاسلام ونبيه الكريم عليه الصلاة والسلام. لقد كان اليكس كرونمر واثقاً منذ بداية ولادة الفكرة في رأسه انه سيحظى بالتمويل الكافي لاخراج الفكرة الى النور، وتجسيد الطموح الى واقع يراه الناس ويسمعون به. كما كان لايمانه بسمو الرسالة الاسلامية وجدارتها بان تصل الى كل فرد في العالم دور رئيسي في صبره واصراره طيلة الاربعة اعوام على مشروعه الاعلامي الجريء الذي نزل كالصاعقة على رؤوس الصهاينة وجماعات اليمين المتطرف الذين رأوا في ذلك العمل اختراقاً غير مسبوق للاعلام الاميركي الذي ظل لفترة طويلة يتلقى مصادر معلوماته من الشبكات اليهودية ذات النفوذ والسلطة والامكانات الهائلة. ولقد تفاوتت ردود الافعال الساخنة والمباشرة قبل وبعد عرض الفيلم الوثائقي «محمد ـ سيرة نبي» بين حانقة وساخطة على الجرأة غير المسبوقة والاقتحام غير المنتظر للبرامج الاسلامية في ارقى شبكات البث التلفزيوني الاميركي وبين ردود فعل ايجابية اتسمت بالسرور والارتياح من عرض الفيلم وهو الموقف الذي صدر من اغلب شرائح المجتمع الاميركي اولئك الذين لا يعرفون شيئاً عن الاسلام، ولا عن نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام، وكل ما يدور ببالهم ليس الا تخاريف واوهاماً صنعتها الآلة الاعلامية الصهيونية الضخمة في سنوات الغفلة والسبات التي كان يمر بها المجتمع الاسلامي. دون ان تصدر منه اية بادرة تؤكد على قرب استيقاظه للنهوض بالمهمات الصعبة التي عليه القيام بها في اطار تعريف المجتمع الغربي برسالتنا وبدورنا الحضاري المجهول في تاريخ الحضارة البشرية. وهذا الكلام ليس من عندي انما هو من عند اليكس كرونمر مخرج الفيلم الذي يرى ان المسلمين قد تأخروا كثيراً في الوصول الى العقل الغربي ومخاطبته مباشرة وبدون اي حواجز او استار قد يصنعها العدو وتلقي في قلوب المسلمين الخوف من مجرد المحاولة لاغتنام الفرص الكثيرة المضيعة مع الاسف الشديد دون استثمار او توظيف في خدمة المصالح العامة للاسلام والمسلمين. وحين يجيء الكلام على لسان اميركي مسلم هو ابن تلك البيئة، وشاهد عليها ينبغي ان نهتم بما يقول، ويجب ان تلاقي كلماته صدى في نفوس اولئك الذين يحاولون ان يؤكدوا ان الشعب الاميركي يعرف الاسلام لكنه يصر على اتهام المسلمين بالارهاب والحقد على الآخر ورفض التعايش السلمي مع الديانات الاخرى. اليكس كرونمر يرد وبمنتهى الوضوح على هذه التخمينات العارية عن الدليل ويؤكد الحاجة الماسة لنشر دعاية مضادة لتلك التي تروج لها الدعاية الصهيونية، وان خير وسيلة لنشر هذه الدعاية الملحة في هذا الظرف الخانق هي ان يستثمر المسلمون حيادية بعض الشبكات التلفزيونية بوجه خاص، والاعلامية بوجه عام، ويدخلوا فيها بكل ثقلهم ولا يترددوا في عرض مادتهم الاعلامية لانها ستكون مرحبا بها اذا ما حظيت بنص جيد وفريق عمل متمرس، ولغة سهلة ومباشرة، واعتمدت على الحقائق والادلة الحية. وبدلا من التشنج والاحتقان والصراخ الذي لا معنى له الا اللوم على الحظوظ العاثرة وتوجيه الاتهامات الى سيطرة الاعداء وكيدهم المستمر لابد من العمل في نفس الاتجاه الذي مضى فيه كرونمر حيث الجرأة والشجاعة والقذف بالخوف على قارعة الطريق، والدخول في المعترك الاعلامي.. فقط لو توفر الايمان والدعم المادي والارادة الصلبة.