الاحد 2 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 5 يناير 2003 كل عام وأنتم بخير.. أعترف بأنها تهنئة تأخرت قليلاً عن موعدها، ولكن دعوني أسألكم: ما الذي يجعلنا نردد هذه العبارة في بداية كل عام؟ ولماذا ترتبط الأمنيات لدينا دائماً بالمناسبات فقط، وبدايات الأعوام غالباً؟ ومن الذي قرر أن أعمارنا وأمنياتنا تبدأ مع بدايات الأعوام وتنتهي مع نهاياتها؟ ولماذا لا تكون «جردة حسابنا» إلاّ في نهاية كل عام؟ وهل لو كان العام أكثر من اثني عشر شهراً أو أقل من ذلك ستختلف حساباتنا، وهل كنا سنحس بأننا أكبر من أعمارنا أو أقل قليلاً؟! ربما قلت ـ عزيزي القاريء ـ إنها أسئلة سفسطائية في غير زمانها ومكانها، فقد انتهى عام وبدأ عام جديد. سهر من سهر، وسحب عليه لحافه ليغط في نوم عميق من آثر النوم في تلك الليلة طاوياً على همه أو مستسخفاً الاحتفال. وفي المنطقة واللحظة «صفر»، بين نهاية عام وبداية عام، أطفئت الانوار وتعالى الصراخ، ثم أضاءت الألعاب النارية سماء الاحتفال، وانطلقت صافرات السفن في الموانيء معلنة الانتقال من ضفة عام إلى ضفة عام آخر. سوف تواصل فئة من الناس صخبها، وتمضي في إكمال سهرتها لتذهب مع خيوط الفجر الأولى إلى حيث ستخلد للنوم غير عابئة بعام أضيف إلى أعمارها، لتصحو من نومها بعد ساعات لا يعلم عددها إلا اللّه، وتواصل حياتها بانتظار مناسبة أخرى للسهر والصخب، ثم الخلود إلى نوم عميق لذيذ آخر بعدها. وستقف فئة أخرى من الناس ـ كما تفعل الشركات والبنوك ـ لتجرد مخازنها وحساباتها بين عام أطفأ شموعه وأغرقها في العتمة، وعام أضاء شمعته الأولى وترك لها الأبواب مفتوحة للإيغال فيه. ولأنك من الفئة الثانية هذه، وهذا ما يفترض أن يفعله كل من يمتلك حساً إنسانياً، فلاشك أنك ستقف خلف ذلك الباب المغلق لعام انصرم، محاولاً فرز أحداثه على المستوى الخاص، وليس على المستوى العام الذي له من يهتم بفرز أحداثه وعرضها وتحليلها على نحو أفضل مما كنت ستفعل لو حاولت ذلك. وفي عملية الفرز هذه سوف تحل وجوه وأحداث ومواقف محل أوراق البنكنوت التي ينعم بعدها التجار وموظفو البنوك، مع الفارق بالطبع بين من يملك ومن لا يملك. وسيمر أمامك شريط طويل أو قصير ـ حسب حظك من أحداث الحياة ـ عليه صور علق بالذاكرة منها مواقف سعيدة وأخرى مغلفة بالحزن والأسى.. غير أن أكثر المواقف إيلاماً هو ما يشعرك بالأسف أكثر من الأسى على أناس خيبوا فيهم آمالنا، وانكشفت لنا منهم وجوه كانت مستترة خلف أقنعة زائفة، استطاعوا بواسطتها أن يخدعونا فترة من الزمن، ليس مهماً طولها بقدر ما يهمنا أننا قد انخدعنا بهم ولهم، سواء كان هذا الانخداع عن طيب خاطر ورضا منّا أو عن غفلة، ندفع ثمن كل منهما لاحقاً على هيئة انكسار لآمالنا وخيبة لظنوننا. وربما سألنا أنفسنا في لحظة الأسف الممزوج بالأسى هذه: أي مصلحة آنية تلك التي تدعو إنساناً للتنازل عن أهم ميزة أودعها الله فيه، وهي الصدق مع النفس ليقدم على وأدها وقبر إنسانيته؟! لا بأس يا عزيزي، فنحن مضطرون أحياناً لأن ندفع ثمناً باهظاً للدروس التي نتلقاها في الحياة.. وليس ثمة ما هو أغلى من شعورنا بالأسف والأسى هذا ندفعه ثمناً لدرس من تلك الدروس. ولأنه ليست هذه هي المحطة الوحيدة التي يجب أن تتوقف عندها، فستجد نفسك مطالباً أيضاً بمحاسبتها هي الأخرى على تصرفات ما كان لها أن تقدم عليها في ظل المثالية والقيم التي تحاسب الآخرين على أساسها. وعلى هذا المنوال مطلوب منك أن تعيد حساباتك فيما يتعلق بالكثير من الأشياء والقيم والأفكار والمعتقدات، فربما وجدت ما أنت مؤمن به اليوم ضرباً من الجنون بعد حين، أو آمنت بنقيضه في فترة لاحقة لا تعرف متى تأتي. غير أن أسوأ ما يمكن أن تشعر به هو أن ترى الأيام هي هي نفسها لا تتغير ولا تتبدّل، فتنتابك تلك الحالة التي انتابت «خوزيه أركاديو بوينديا» في رواية «غابرييل غارسيا ماركيز» الشهيرة «مئة عام من العزلة» عندما دخل مشغل ابنه «أورليانو» وقد أجهده السهر ليسأله: «في أي يوم نحن؟» فيجيبه الابن: «إنه الثلاثاء». قال خوزيه أركاديو بوينديا: «هذا ما ظننت.. ولكنني تبيّنت فجأة أننا لانزال في يوم الإثنين كالبارحة. انظر إلى السماء، انظر إلى الجدران، انظر إلى أزهار البيجونيا، فاليوم هو الاثنين أيضاً». وكان أورليانو قد ألف المفارقات التي يأتي بها أبوه فلم يعر قوله ذاك انتباهاً. وفي اليوم التالي، يوم الأربعاء، عاد خوزيه أركاديو بوينديا إلى المشغل وصاح قائلاً: «إنها لمصيبة.. انظر إلى الهواء، اصغ إلى طنين الشمس، ما أشبه اليوم بالبارحة وباليوم الذي سبقه. إن اليوم هو الاثنين أيضاً». وفي مساء ذلك اليوم وجده «بيترو كريسبي» عند عتبة الشرفة ينتحب باكياً. ثم ظهر مرة أخرى في المشغل يوم الخميس، وهيئته حزينة تطفح بالألم، كما يبدو على الأرض المحروثة، وقد أمضى ست ساعات يتفحّص الأشياء، لعله يعثر في مظاهرها على فرق يجعلها تختلف عما كانت عليه البارحة، مؤملاً أن يجد فيها اختلافاً يدل على مرور الزمن. ورقد في سريره طوال الليل وعيناه مفتوحتان. وفي يوم الجمعة، وقبل أن ينهض أحد من نومه تفقد مظاهر الطبيعة مرة أخرى، حتى لم يتبق لديه شك في أن اليوم لايزال الاثنين، وعندها تناول إحدى العوارض التي تستخدم في إسناد الأبواب من الداخل، وبعنفه الهائل وقوته الخارقة، حطّم أجهزة مختبر الكيمياء حتى أحالها غباراً. وفعل الشيء نفسه بغرفة التصوير، ومشغل صياغة الفضة، وهو يصرخ كمن أصابه مس، وبلغة غريبة لم يفهم أحد منها شيئاً، وكاد يهم بهدم سائر البيت وتحطيمه لولا أن استغاث أورليانو بالجيران طالباً مساعدتهم ليلقوه أرضاً، ويشدوا وثاقه، ويجرّوه إلى شجرة الكستناء في فناء الدار حيث أبقوه مشدوداً إليها، وهو يعوي بتلك اللغة الغريبة إلى أن عادت زوجته «أورسولا» وابنته «أمارانتا» لتجداه في هذا الوضع وقد بلله المطر، بينما بدت عليه حالة من الهدوء والبراءة التامة، لتفك أورسولا رسغيه وقدميه، وتتركه مربوطاً من وسطه، وفيما بعد، بنوا له مأوى من سعف النخيل ليقيه حر الشمس ويدرأ عنه المطر. وفي هذا المأوى قضى ما تبقى له من عمر. كل عام وأنتم بخير.. سوف يبقى أملنا كبيراً في أن يكون العام الجديد مختلفاً.. هكذا قلنا قبل عام من الآن.. وهكذا تعوّدنا أن نفعل كل عام.. فما الذي يدعونا إلى تغيير عاداتنا طالما كانت من هذا الصنف المفتوحة نوافذه على حقول الأمل وبساتين الفرح التي نمدّ منها ذاكرة أيامنا بأسباب استمرارنا في الحياة؟