الاحد 2 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 5 يناير 2003 «شيوعي ملحد» بالأمس تعادلها «أصولي متطرف» اليوم. لكن هل ينجح الغرب في محاربة الفكر الإسلامي كما نجح في محاربة الفكر الماركسي؟ منذ عقد الأربعينيات في القرن الماضي وما تلاه حتى مطالع عقد السبعينيات كان الهاجس السياسي الأعظم للأجهزة الأمنية في العالمين العربي والإسلامي هو منع انتشار الفكر الشيوعي عن طريق ملاحقة أية جماعات أو أفراد يمارسون نشاطاً يشتبه في انه ذو علاقة بالأفكار الشيوعية ولو حتى بأسلوب المحاضرات فضلاً عن الأسلوب التنظيمي. وترافق مع الحملات الأمنية المنهجية ضد الشيوعية والشيوعيين حملات دعائية متصلة. مع ذلك لا يمكن القول إن الحرب الغربية على الشيوعية والشيوعيين في العالمين العربي والإسلامي لم تنجح. لكن التاريخ يسجل أن العامل الحاسم في هذا النجاح هو الحركة الإسلامية في البلدان العربية والإسلامية. أجل كان القمع السلطوي عبر الأجهزة الأمنية بلا هوادة.. ولكن لم يكن لهذه الجهود الجبارة ان تحقق الانتصار النهائي الكامل لولا تعاون تنظيمات الحركة الاسلامية ـ بشقيها السياسي والصوفي ـ مع السلطة بشتى أساليب العمل التنظيمي المضاد في المدارس والجامعات ومسرح الصراع السياسي العام. وإذا كانت المنظمات الإسلامية قد قدمت إلى أجيال الشباب في العالمين العربي والإسلامي عن طريق منهاجها وبرامجها بديلاً رصيناً ومقبولاً عن الفكر الماركسي فإن السؤال الذي يمكن ان يطرح اليوم هو: ماذا تملك الولايات المتحدة من بديل أيديولوجي رصين إلى الشباب العربي والإسلامي عن الفكر الإسلامي؟ في الماضي راهن الغرب في حربه ضد الشيوعية كفكر وضعي على الإسلام كعقيدة سماوية. كان اختياراً عبقرياً دون شك خاصة مع إلصاق صفة «الإلحاد» ـ وهي كلمة ذات مدلول ترعيبي في المجتمع الإسلامي بالفكر الشيوعي. إن النظام الرأسمالي سلعة بائرة على الصعيد الشعبي بطول العالم الثالث وعرضه حتى بعد أن أعيدت تسميته باسم «اقتصاد السوق». فقد بات النظام الرأسمالي لدى شعوب العالم الثالث وصفة لجعل شريحة من الأثرياء أكثر ثراء وجمهور الفقراء أكثر فقراً. غير أن السبب الأساسي لرفض الرأسمالية لدى أجيال الشباب العربي والإسلامي هو أنها ليست فكراً أو حتى نظرية. فالرأسمالية ليست سوى تنظيم وتقنين الغرائز البشرية الطبيعية تجاه الربح والاقتناء والاستحواذ بدافع الجشع. ولهذا فإنها لا تتحدث عن «مستقبل» كما في النظرية الماركسية ولا عن جهاد في الحياة الدنيا وثواب في الحياة الأخرى كما في الإسلام. وفي غياب فكر بديل مقبول لدى الشباب العربي والمسلمين فإن الحرب الأميركية ضد الإسلام باسم «مكافحة الإرهاب» لن تفلح إلا في اجتذاب المزيد ثم المزيد من أجيال الشباب الصاعدة إلى منابع العقيدة الإسلامية. ويعزز من هذا الاستخلاص أن دين الإسلام ليس مجرد عقيدة غيبية.. فالقرآن ليس مجرد مواعظ. إن الإسلام كما هو ممارس في المجتمعات الإسلامية منهج حياة ينطوي على تفاصيل إرشادية دقيقة لما ينبغي أن يكون عليه سلوك الفرد والجماعة من نهوضه من الفراش عند الفجر إلى عودته للفراش ليلاً. لمدى الأربع والعشرين ساعة، يعلم الفرد المسلم في كل جزئيه من سلوكه ماذا يجب أن يقول وما لا يقول.. وما يفعل وما لا يفعل من خلال أحكام محددة في الحلال والحرام، والمباح وغير المباح، والعلاقة مع الأسرة والعلاقة مع المسلمين الآخرين، والعلاقة مع السلطة، والبيع والشراء، والزواج والطلاق والميراث، والموت وكيفية التعامل معه ـ وبالطبع الجهاد ضد من وماذا ودرجاته المتفاوتة. ومع امتداد هذا المسلك لمدى عمر بأكمله فإن أحكام العقيدة الإسلامية لا تنحصر في الحياة فقط. فالمسلم يعمل لدنياه وآخرته معاً. فكيف تأمل الولايات المتحدة في نجاح حملتها ضد الإسلام والمسلمين باختزال كل هذا في كلمة «إرهاب»؟!