الاحد 2 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 5 يناير 2003 قبل الدخول في تفاصيل القضية الشائكة التي تعيشها ساحة العمل الوطني الفلسطيني راهناً، لا بد لنا من التنويه إلى أن قضية الوحدة الوطنية الفلسطينية، أو كما يقال قضية وحدة المرجعية السياسية الفلسطينية، كانت ولا تزال تشكل إحدى أهم المعضلات في تاريخ القضية الفلسطينية. بمعنى أن هذه القضية الوعرة، كما يحلو للبعض تسميتها، كانت على الدوام كابحاً لتطور آليات العمل الفلسطيني على كل المستويات السياسية والتنظيمية والعسكرية وحتى الدبلوماسية منها، لدرجة أن البعض المتخصص وصف هذه الحالة بالقول أن منظمة التحرير منذ انطلاقتها اختزلت جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي في داخلها لجهة التعددية والانقسامات وتناثر وجهات النظر، وقد أضيف إلى ذلك بالقول أن المنظمة ولسوء الحظ أو لحسنه، اختزلت فوق ذلك كتلة عدم الانحياز أو ما يزيد على ذلك، في صراعاتها الداخلية وتعدد ولاءاتها. ولقد كان البعض، بوعي أو دون وعي لحقيقة هذه المعضلة، يحاول القفز فوق هذه القضية الشائكة، يحاول تحسين الصورة المأساوية ببعض الرتوشات الكلامية، معتبراً أن قضية التعددية التي تعيشها الساحة الفلسطينية هي إحدى التعبيرات الصحية للذهنية السياسية المتفتحة والمتقدة التي يمتلكها الشعب الفلسطيني.إما بهدف تضييق المسافات الشاسعة بين مجموع القوى الفلسطينية، انطلاقاً من الحقيقة المرة التي لا يقوى على تغييرها هذا البعض، أو حقاً بسبب حالة عدمية الفهم لطبيعة التعددية القسرية عند البعض الآخر، كما أسلفنا لحقيقة التعددية الحاصلة، التي خلقتها الخصوصية الصعبة والخطيرة التي تعيشها القضية برمتها. لكن بعيداً عن حالة التوصيف، التي غالباً ما تحمل بين طياتها حالة من اليأس حيناً والتيئيس أحياناً أخرى، أن انتقال القيادة الفلسطينية إلى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967وتشكيل سلطة وطنية فلسطينية، بمعزل عن المواقف المتباينة من هذه السلطة وما تمثله سياسياً وسلطوياً، قد خلقت جملة من المتغيرات أصبح معها هذا التناثر الفلسطيني مرضاً لا يمكنه الاستمرار على هذه الشاكلة على الإطلاق، وأنه أصبح لزاماً على الفلسطينيين الانخراط تحت عباءة مرجعية واحدة تمثل مجموع القيم والاتجاهات السياسية والأيديولوجية بصرف النظر عن التباين الحاصل الذي نشهده بالعين المجردة في صيرورة العملية الانتفاضية الجارية على الأرض الفلسطينية. ولا غرو إذا ما اعتبرنا أن العوار الفلسطيني - الفلسطيني، أو إذا شئت الحوار الفتحاوي - الحماسي، الجاري هذه الأيام يوفر حالة من الفضاء الرحب للشروع في عملية حوار وطنية شاملة تجمع كل فصائل العمل الوطني والشخصيات الوطنية بكل توجهاتها وانتماءاتها، وتفتح المجال رحباً أمام الشعب الفلسطيني بقواه وشخصياته، على تأمين مستلزمات ومتطلبات خيار الشعب الفلسطيني بالتحرر والانعتاق. لكن وبمعزل عن الخطابات الانفعالية، يجب التنويه إلى أن قضية الحوار والوحدة تتطلب جملة من القضايا المهمة التي من شأنها أن توحد الشعب الفلسطيني حول مرجعية واحدة، هذا الأمر يتلخص بجملة من القضايا، أهمها: أولاً: يجب أن لا ينطلق الحوار الوطني الفلسطيني، على أساس تحشيد المواقف الإقليمية والدولية بهدف التوصل إلى اتفاق فلسطيني - إسرائيلي من شأنه أن يفضي إلى وقف العمليات مقابل وقف الاغتيالات، ومن ثم ندخل في حيز السياسات المحرمة التي ستقودنا حتماً إلى تجميد الحلقة الاسخن في العملية الصراعية الجارية، حيث تواصل إسرائيل مشاريعها الجهنمية بداية من تدمير البيوت ومصادرة الأراضي وانتهاء بالاحتلالات والاجتياحات داخل الأراضي الفلسطينية، بينما يصبح بالنسبة لنا الأمر متعذراً في الرد على هذه القضايا الإجرامية إلا في الأراضي المحتلة عام 1967. بمعنى أوضح يجب أن يقوم الحوار على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الأرض الفلسطينية دون قيد أو شرط.وهذا الأمر مشروط ببرنامج سياسي واضح يترجم الاستراتيجية الفلسطينية للمرحلة القادمة دون لبس أو غموض، بعيداً عن التعهدات والتصورات والوثائق التي فرضت على الشعب الفلسطيني إقليمياً ودولياً، وأن يكون البرنامج الفلسطيني هو المنظم للتحرك السياسي الفلسطيني، بدلاً من تقرير ميتشل وخطة تينيت المتوفاة التي أنجبت خارطة الطريق المبهمة التي لم تتطرق لا من قريب أو من بعيد لانسحاب إسرائيل من الأرض الفلسطينية ولا إلى الاستيطان أو القدس، وتجاهلت عن عمد مسبق قضية اللاجئين التي تعتبر حجر الزاوية في الصراع الدائر في فلسطين. ثانياً: الإيمان بالوحدة الوطنية الفلسطينية من قبل أطراف الحوار، والابتعاد عن الاستحواذ على السلطة وازدواجية القرار التي شهدتها الساحة الفلسطينية، وهذا الأمر، أو القضية في الحقيقة، يتطلب ترجمات واقعية على الأرض، والتي تتلخص بضرورة الحفاظ على استقلالية القوى بما يصب في خدمة الصالح الوطني العام، وأن لا تعود القوى الكبرى داخل الساحة الفلسطينية، مرة أخرى لعملية إدارة الأزمة بدلاً من العمل على حلها بشكل نهائي، بما يفضي إلى فض فتائل التوتر وإطفاء الجمر الراقد تحت الرماد الفلسطيني. ثالثاً: ضرورة التوصل إلى القناعة الكلية في ترميم المؤسسات الفلسطينية وتفعيلها، بداية من مؤسسات منظمة التحرير وانتهاءً بمؤسسات السلطة الفلسطينية، وأن تبدأ هذه العملية بضرورة المشاركة بالانتخابات خاصة السلطوية منها، أي أن يتم عقد الانتخابات التشريعية باشراك كل القوى والاتحادات والنقابات الفلسطينية، وأن يقبل الجميع في خيارات الشعب الفلسطيني من خلال ما يفضي إليه صندوق الانتخاب، دون أن تسقط قضية الإصلاحات الإدارية والمالية داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية سهواً، وأن يكون الحكم في ذلك لسيادة القانون، بدلاً من ما كان سائداً بحيث كان الحكم للولاءات وما أكثرها.دون أن نغفل ضرورة إدخال دماء جديدة من كل القوى الفلسطينية واستناداً إلى الكفاءة لكافة المؤسسات بما في ذلك الأمنية والشرطية التي كانت ولا تزال حكراً على حزب السلطة «حركة فتح»، وبذلك تكون كل القوى بما في ذلك حماس والجهاد أمام تحمل مسئولياتها الأمنية المستندة إلى بعدها الوطني التحرري.فإذا ما توفرت مثل هذه القناعات، فسيقلع الفلسطينيون عن حالات التسكين التي كانوا يستخدمونها ليعودوا مرة أخرى إلى صوت العقل، الذي من شأنه أن يضيق من شقة الخلافات البرامجية التي كانت على الدوام مثاراً للفوضى والتشتت السياسي والتنظيمي، والتخلص من الأمراض الطفيلية التي تلبست الجسم الفلسطيني المكلوم. لكن السؤال الأهم، إذا ما بقي الحوار حكراً على الاثنين «فتح وحماس»: من الذي سيتحمل مسئولية عدم التوصل إلى اتفاق؟ ومن منهما سيكون المسئول أمام الشعب الفلسطيني عن الانتكاسة الجديدة التي ستلم به ؟ خاصة بعد أن أبدت الكثير من الأطراف الإقليمية والدولية وحتى العربية، وإسرائيل قناعتها بعدم توفر الإمكانيات للتوصل إلى اتفاق بين حركتي فتح وحماس، استناداً إلى أن الحوار القائم بين الحكم الفلسطيني من جهة، وبين القوة الموازية والمتحدية والتي لا تعترف به نظرياً من جهة أخرى. ـ كاتب فلسطيني