الاحد 2 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 5 يناير 2003 يقول القارئون لتاريخ بلادنا بعناية وعمق وتأمل بأن «كوروش العظيم» كبير ملوك الهخامنشيين وسادس حاكم في تلك السلالة الايرانية المستبدة عندما قرر الهيمنة على العالم من حوله و تشكيل أول امبراطورية في التاريخ زحف يومها بجيوشه الغازية على بابل وغير بابل تحت شعار «الحرية للجميع!!» مدغدغاً مشاعر اليهود في حينه وغير اليهود بأنه قادم «لتحريرهم من القيود والأغلال» وانه «يشاركهم في كل ما يدعوهم إليه الرب!!». وبالفعل فقد نجح كوروش المذكور في الزحف على مصائر ومقدرات ملل العالم في عهده تحت شعار «الحرية» الزائف ليبني امبراطوريته الهيمنية الظالمة بحد السيف وسفك الدماء. وانه عندما جاء دور الاسكندر المقدوني فإنه عمل الشيء نفسه، مبتدئاً بفتح بلاد مصر التي كانت قد وصلت اليها هيمنة امبراطورية فارس القديمة مستمراً بالزحف تحت ظل الشعار نفسه الى ان دك امبراطورية «كوروش العظيم» دكاً ورفع علم امبراطوريته البديلة في «عرين» بابل ومن ثم في معقل امبراطورية فارس في ميرسيوليس بعد ان خاض بحورا من الدماء التي كانت تحد دون وصوله الى عرش الامبراطورية العالمية الخاصة به. وانه بين الاعوام 1910م الى 1917 كانت تراود طلائع الزاحفين على العالم من أرباب «الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس» فكرة اعادة رسم خريطة المنطقة المحيطة ببابل وفارس بما يتناسب ومصالح الامبراطورية العتيدة وتصفية ميراث دولة «الرجل المريض» أي الدولة العثمانية حتى وان اسهم ذلك الطموح في اطالة امد حرب عالمية هي الأولى من نوعها وربما اسس لنواة حرب عالمية ثانية بعد عقدين من الزمان. والغريب واللافت في المشهد الأخير مما نحن فيه من سرد تاريخي تلغرافي هو ان ارباب الامبراطورية الانجليزية كانوا يعدون العدة ويخططون لقيام «جمهورية تضم خورستان الايرانية والكويت والبحرين والمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية حالياً ومنطقة جنوب العراق وصولا الى بغداد لتكون عاصمة هذه الجمهورية والتي كان يفترض ان يتزعمها الامير الشيخ خزعل ـ شيخ خوزستان ـ باعتباره رجل الانجليز المفضل آنذاك» كما يقول رواة التاريخ المعاصر. لكن قيام ثورة اكتوبر الاشتراكية كما يضيف القارئون العارفون ببواطن الامور في العام 1917 وترسيخ جذورها البلشفية في العام 1919 والذي شكل انقلاباً غير متوقع في مخطط الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس هو الذي منعها من تنفيذ خطتها المذكورة اعلاه، الامر الذي دفعها لاستبدال تلك الخطة بقيام دكتاتوريات متعددة اريد لها ان تشكل سياجاً يحيط بالدولة البلشفية الفتية ويطوقها من كل جانب فكانت دولة تشان كاي شيك الصينية ودولة رضا خان الايرانية ودولة كمال أتاتورك التركية كسلسلة اقمار من العملاء المتعاونين مع الانجليز، وكان نصيب بلاد بابل القديمة الدولة العراقية الحديثة التي نعرفها اليوم. هذه الدولة التي يقال انها وليدة مخاض صعب من الارادات المتضاربة والعوامل المتدافعة لكنها محصلة الغلبة الانجليزية على زعماء ثورة العشرين العراقية الوطنية المجيدة التي خاضتها جماهير بلاد الرافدين العرب الاقحاح بزعامة رجال الدين من احزاب الطائفة الشيعية وعشائر دجلة والفرات الوطنية من الاكثرية الشيعية والاقلية السنية على حد سواء. تلك الدولة التي ظل العراقيون بعامة مجمعين على انها لم تمثل يوما طموحات ثوار الاستقلال وزعماء النهضة لأنها تشكلت بعيدا عنهم وعن ارادة الاكثرية الشعبية وفي اطار ما يسمونه بالصفقة التي حصلت بين معادلة الغلبة الانجليزية والنخبة من بقايا دولة الرجل المريض التركية العثمانية. وبالتالي فثمة من يلوم اليوم زعماء النهضة وثورة العشرين من علماء دين وزعماء عشائر ونخب وطنية بأنهم لم «يستثمروا» فرصة المفاوضات مع الانجليز! وأنهم مارسوا المبدئية اكثر من اللازم! بل ان ثمة آخرين يحذرون من ضياع فرصة متاحة مقبلة! ويقولون ان الامبراطورية الجديدة التي تتشكل اطرها اليوم بسبب معادلة الغلبة الأميركية والدولة القطب الأوحد في العالم بعد الحرب الباردة وحوادث 11 سبتمبر انما هي بصدد «اعادة انتاج جمهورية خزعل الحرة الشهيرة بلباس عصري جديد!». وما علينا نحن من ابناء العراق «الرجل المريض» الا اقتناص هذه اللحظة التاريخية الذهبية وعقد صفقة العمر مع الامبراطورية الجديدة التي لن تغيب عنها الشمس!» هذه المرة أبداً! في هذه الأثناء ثمة من يذكر الطامحين بحلم الشيخ خزعل بما حصل له عندما ظهر فجأة على المسرح السياسي الأكبر بطل! آخر من أبطال اقتناص الفرص التاريخية! وهو رضا خان الذي قدم مواصفات افضل للتعامل مع الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس آنذاك والذي سرعان ما اعطي الضوء الاخضر لاحضار خزعل الى طهران مكبلاً بعلم الحرية الانجليزي ليدفنه ويدفن معه حلمه «بجمهورية المحمرة» الممتدة عبر الكويت والبحرين والمنطقة الشرقية وصولاً الى بغداد. ويتساءل هؤلاء ماذا لو وجدت واشنطن أو عُرض عليها اليوم من هو اقدر على تلبية رغباتها الامبراطورية وطموحاتها الهيمنية على العالم والمساعدة بشكل افضل على اشاعة وتعميم الحرية والديمقراطيات المنشودة؟؟ عندها ماذا سيكون مصير الطامحين بحلم الشيخ خزعل من امراء المعارضة العراقية؟؟ ثم قبل ذلك وبعده فإن السؤال الكبير الذي يرتسم اليوم على شفاه كل عراقي بل وكل عربي وبل وكل مسلم هو: أين مصلحة جمهور العامة من العراقيين في هذا السباق المحموم الذي تخوضه بعض الفئات المتصدرة لبديل «الرجل العراقي المريض» مع حاكم العراق الفعلي في كسب ود أو معرضة التأثير على ما بات يعرف «بالمجتمع الدولي» والذي تتحكم فيه دولة القطب العالمي الأوحد؟! هذا الجمهور الذي هو أحوج ما يكون الى فك الحصارات المتعددة عنه، والتفكير بحاجاته اليومية الملحة من طبابة وتغذية وتعليم ورفاهية وعيش بسلام مع ذاته ومع جيرانه بعيداً عن صراعات «البيادق الوطنية» القديمة والحديثة العاملة في خدمة المصالح المهيمنة للامبراطوريات القديمة أو المستقبلية. إنه الشعب العراقي المنسي في خضم الصراع من أجل السيطرة على البترول وغيره من موارد الهيمنة على العالم. ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الإيراني