الاحد 2 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 5 يناير 2003 المبادرة «الكوميدية» التي أعلنها وزير الخارجية الأميركي كولن باول لتعليم العرب مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان بتكلفة اجمالية قدرها تسعة وعشرون مليون دولار (لا أعرف لماذا لا تكون ثلاثين مثلا..!!) كسبت سباق البرامج الهزلية التي تتحفنا بها محطات التلفزيون في شهر رمضان، وأثبتت أن الأميركان ـ رغم الجلافة والغطرسة ـ لا يفتقرون إلى روح الفكاهة! وروح الفكاهة تأتي من أكثر من جانب.. فالمبادرة تتحدث عن «شراكة» في بناء الديمقراطية في العالم العربي، وحين تتحدث واشنطن (وخاصة في هذه الأيام) عن «الشراكة» فالامر يخرج من مجال الجدية الى الهزل السياسي! فواشنطن التي ترفض مشاركة أي طرف لها في القرار حتى ولو كان أخلص حلفائها لا يمكن أن «تتبرع» بوضع العرب في موقع الشريك. وواشنطن التي تعلن في استراتيجيتها الرسمية للقرن الجديد أنها لن تسمح لأي قوة أن تنازعها في الهيمنة على العالم، والتي تقرر أنها ستستخدم ماتسميه بـ «الضربات الوقائية» لمنع أي احتمال لبروز هذه القوة يبدو حديثها عن «الشراكة» في بناء الديمقراطية في العالم العربي مجرد تلاعب في الألفاظ لا يعني شيئا في الحقيقة! وواشنطن التي وضعت «تسعيرة» تعليم الديمقراطية للعرب بواقع دولار واحد لكل عشرة منهم، تعرف جيدا قيمة هذا البرنامج الذي تقدمه، وتكشف في الوقت نفسه عن «تقديرها» للعرب.. قبل الديمقراطية وبعدها. وواشنطن التي تتحدث هنا عن «الشراكة» تعرف أنها لا تبحث ـ في العالم العربي على وجه الخصوص ـ عن شركاء بل عن عملاء. ومشكلتها هنا أن ما تعرضه من برامج في هذا الشأن ليس جديدا. انها نفس البرامج التي تبنتها المخابرات الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وهي تحاول تجنيد المثقفين والسياسيين والصحفيين والنقابيين في أوروبا وخارجها أثناء الحرب الباردة التي خاضتها ضد الاتحاد السوفييتي، والتي استخدمت فيها كل الوسائل الشريفة وغير الشريفة، والتي كنا نظن أنها انتهت بنهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، فإذا بنا امام حرب جديدة تعلنها واشنطن وتحاول جر العالم كله اليها، وتضع فيها العرب والمسلمين في خانة الاعداء الذين أعلنت عليهم حربها الصليبية «المقدسة» الجديدة! اللعبة قديمة، وقد شهدنا جزءا منها في الخمسينيات في عالمنا العربي، حين انفقت أميركا الملايين لكي تدعم صحفا ومؤسسات ثقافية ورجال سياسية واقتصاد، ولكن المحاولة لم تنجح في تمرير المخططات الاميركية في المنطقة لظروف خارجة عن الإرادة الاميركية، ولأن المد القومي العربي كان أقوى من كل محاولات فرض الهيمنة الأميركية. وهكذا سقطت كل محاولات واشنطن لاقامة الأحلاف العسكرية المشبوهة في المنطقة، وانكشفت كل دعاياتها التي حاولت تصوير معركتها على أنها معركة من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. ومع هذا السقوط ظهرت استراتيجية واشنطن على حقيقتها. تحالفت مع أبشع النظم الديكتاتورية في المنطقة، وقاومت محاولة النهوض العربي بكل الوسائل، ومارست كل الضغوط السياسية والاقتصادية على عبدالناصر، ورفضت المشاركة في تمويل السد العالي، وتآمرت في النهاية مع اسرائيل لإسقاط النظام الذي جسد في ذلك الوقت ـ آمال الأمة العربية في الوحدة والحرية والنهوض. اللعبة قديمة، وحكاية الديمقراطية وحقوق الإنسان تبدو هزلا حين تقولها أميركا لشعوب عانت من حكام فاسدين تمتعوا بمساندة واشنطن، ولأمة مازالت ترى مقدساتها تهان وأطفالها يذبحون وأرضها تستباح على أيدي الصهاينة في فلسطين.. بدعم أميركا الكامل الشامل، وبحمايتها السياسية ودعمها الاقتصادي ومشاركتها العسكرية! اللعبة قديمة ومفضوحة، ومع ذلك فواشنطن ستمضي في تنفيذها، وحالة العجز العربي تشجعها، وغطرسة القوة تغريها، وحلم الامبراطورية يعمي عينيها عن حالة الرفض العربي العامة لخدعة الشراكة التي تتحول من مهزلة الى مأساة حين ينظر الى الجانب الآخر من اللعبة! في إسرائيل.. لا تكتفي واشنطن بالدعم اللامتناهي للنازيين الصهاينة الذين يحكمون اسرائيل ويقودون حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، فتضيف الى ذلك اصرارا على مكافأة شارون على مذابحه، ولا يكتفي الرئيس الأميركي بوصف السفاح الإسرائيلي بأنه «رجل السلام» في المنطقة، ولا بوصف المذابح الإسرائيلية بأنها مجرد دفاع عن النفس، ولا بنقل أحدث ما في الترسانة الأميركية من أسلحة لكي تكون في يد النازيين الجدد في اسرائيل.. لا يكتفي الرئيس الأميركي بكل ماحدث، ولكنه يمهد الطريق لمذابح أبشع، ويضع كل امكانيات أميركا في خدمة شارون وعصابته، ولا يخفي رهانه على اليمين النازي الإسرائيلي لكي يحكم «واحة الديمقراطية!» التي هي اسرائيل، ولكي ينشر إرهابه على الفلسطينيين والعرب تمهيدا لإدخالهم مدرسة باول لتعليم الديمقراطية وحقوق الإنسان! وهكذا.. وتحت اعلام الديمقراطية وحقوق الإنسان، تقوم أميركا بتعديل مشروع «خارطة الطريق» الذي يحاول تهدئة الاوضاع واعادة الأطراف الى طاولة المفاوضات كما قالت الأطراف الأوروبية. ولا تفعل التعديلات الأميركية شيئا الا فتح الباب للمزيد من التسويف الإسرائيلي من أجل استمرار الاحتلال والمضي في سياسة التهويد والاستيلاء على الأرض. ومع التعديلات التي طلبتها اسرائيل وفرضتها واشنطن فيقرر تأجيل الحديث عن المشروع حتى تتم الانتخابات الاسرائيلية ويفوز شارون ويعود لاستئناف مهمته في ذبح الفلسطينيين وقتل أي مبادرة حقيقية نحو السلام الحقيقي. وتحت أعلام الديمقراطية وحقوق الإنسان، تستخدم واشنطن حق الاعتراض «الفيتو» لمنع إدانة مجلس الأمن لإسرائيل لقتلها موظفين تابعين للأمم المتحدة! وتواصل رفضها توفير أي حماية للشعب الفلسطيني الذي يتعرض يوميا للقتل لمجرد أنه يطلب حقه الطبيعي في أن يعيش حرا في وطن حر، وتعتبر واشنطن مشاركة طائراتها الفانتوم في ضرب الأطفال الفلسطينيين جزءا من حربها المقدسة ضد الارهاب!! وتحت أعلام الديمقراطية وحقوق الإنسان تشهد واشنطن المأساة التي يعانيها العرب الفلسطينيون في اسرائيل فتتحول الى «شاهد ماشافش حاجة» أو الى شاهد زور يتغنى بالديمقراطية في اسرائيل التي تقرر اللجنة المركزية للانتخابات بها منع النائبين عزمي بشارة واحمد الطيبي وكذلك قائمة حزب التجمع من خوض الانتخابات تحت زعم أنهم يدعمون الكفاح المسلح ضد اسرائيل ويسعون لإقامة دولة فلسطينية على أنقاض دولة اسرائيل. إن «الجريمة» الحقيقية لعزمي بشارة وزملائه هي أنهم يطلبون ديمقراطية حقيقية من خلال «دولة لكل المواطنين» يتمتع فيها العرب بحقوق متساوية بدلا من أن يكونوا ـ كما هو الآن ـ مواطنين من الدرجة الرابعة هذه هي الجريمة الحقيقية لهؤلاء العرب الذين يرفضون أن تكون الديمقراطية لليهود وحدهم وأن يعيش قرابة 20% من سكان اسرائيل العرب أصحاب الأرض الحقيقيين مهمشين في وطنهم. هذه هي القضية التي تثيرها إسرائيل الآن وهي تسعى لنزع شرعية المواطنين العرب فوق أرضهم، وإلى ابعاد قياداتهم من البرلمان، والى محاولة إجبار العرب على منح الكيان الصهيوني الشرعية التاريخية وتكريسه كوطن لليهود وحدهم. إنهم لا يريدون فقط أن تكون الصهيونية شرطا لدخول الكنيست كما قال عزمي بشارة، ولكنهم يريدون أن تكون الصهيونية شرطاً للبقاء على الأرض التي كانت وستبقى فلسطينية. إن عنصرية اسرائيل ليست محل نقاش، وما تمارسه من «نازية» يفضح أكذوبة «الديمقراطية» التي يقال انها تميزها، فلا يوجد في الأساس دولة ديمقراطية تمارس القهر ضد شعب آخر وتحتل أرضه. ومهما كانت النتائج التي ستنتهي اليها المعركة القانونية التي يخوضها عزمي بشارة ورفاقه وحتى اذا تم التراجع عن هذه القرارات المخزية خوفا من آثار هذه الجريمة على الاوضاع الداخلية ويزيد التمزق الذي تعانيه اسرائيل وهي تمارس سياستها العنصرية ضد عرب الداخل.. مهما كانت النتيجة فستظل اسرائيل كيانا عنصريا نازيا، وسيظل وجودها رمزا على أبشع جريمة ارتكبت في حق الأمة العربية. ويبقى السؤال: أين الحديث الأميركي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان مما يجري داخل هذا الكيان الصهيوني العنصري؟ ولماذا لم تنتفض واشنطن كما انتفضت يوم صدر حكم قضائي في مصر ضد الدكتور سعد الدين ابراهيم بتهمة الاحتيال فقامت الدنيا ولم تقعد، وسمح أركان الإدارة الأميركية لأنفسهم بالتدخل في القضية ومارسوا كل الضغوط على الحكم في مصر، وقرروا تجميد معونات اقتصادية، وشنوا حملات صحفية ترفض الحكم وتؤكد مجافاته للديمقراطية وحقوق الإنسان؟! لقد خرج الدكتور سعد الدين ابراهيم من سجنه، ومازالت قضيته معروضة على القضاء، ولسنا هنا في مجال اصدار أحكام بشأنها.. ولكننا فقط نسأل: أين هذا الدفاع الأميركي المزعوم عن الديمقراطية مما يجري لعزمي بشارة ورفاقه؟ وماذا ستفعل واشنطن مع الكيان الصهيوني النازي الذي اعتبرته قبل ذلك «واحة الديمقراطية» في الشرق الأوسط وهي تعلم مدى عنصريته وتدرك كيف يتم قهر العرب من سكانه، وكيف تداس حقوق الإنسان فيه إذا لم يكن يهوديا، وكيف تفتح أمامه كل الأبواب إذا كان سفاحا.. مادام قتلاه من العرب الفلسطينيين؟! أين واشنطن من كل ذلك؟ الإجابة لا تحتاج لجهد كبير.. ففي نفس اليوم الذي كانت اسرائيل تمارس عنصريتها ضد عرب فلسطين 48، كانت القوات الأميركية تشارك في مناورات عسكرية شرق البحر المتوسط مع تركيا و.. اسرائيل! وكانت الإدارة الاميركية تواصل مشاوراتها لاصدار قرار بمنح اسرائيل أربعة مليارات دولارات لمساعدتها في تكاليف حربها ضد الفلسطينيين، وتعد بتسهيلات وقروض تصل لعشرة مليارات أخرى، وكان الرئيس الأميركي حامي حمى الديمقراطية في العالم كله ينتفض غضبا على حقوق الإنسان، ويعلن مع بداية العام الجديد أنه «كما يبدو لن يكون هناك مفر من شن الحرب على.. العراق».! ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية