الاحد 2 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 5 يناير 2003 يبدو ان ثقة الكثيرين في تحقيق العدل قد تضاءلت الى حد التلاشي، ولا نقصد هنا المعنى الشائع، خاصة في العالم الثالث، لكننا نعني هنا العدل الوظيفي الذي غالباً ما يكون ضحية للمشككين وأصحاب الغمز واللّمز في الجلسات الخاصة. أقول هذا الكلام بعدما جاءتني مكالمة من صديق يعمل باحدى الدول العربية بوظيفة مندوب لتوزيع الأغذية، ونظراً لهمته ودأبه في مهنته واخلاصه وتفانيه قررت الشركة ترقيته الى منصب نائب رئيس قسم التوزيع.. الى هنا والأمر يستحق التهنئة نظراً لترقيته، لكن نهاية المكالمة كانت تحمل الكثير من المرارة والاحتقان بعد ان نال قدراً معتبراً من منظومة الاتهامات التي يتفنن الانسان العربي أحياناً في توجيهها الى كل من يحصل على ترقية مثل الممالأة والمداهنة و«الكوسة».. ولم أجد رداً أخفف به ما ألم بصديقي سوى تذكري لبعض ما كتبه المفكر الراحل الدكتور زكي نجيب محمود الذي دائماً ما ألجأ الى مقالاته في ساعات الكرب والضيق من تصرفات البشر. وباستطاعتنا أن نزعم ان هذا المفكر يعتبر أحد الذين صالوا وجالوا في طبائع الناس بشكل طريف وذكي، ساعدني بدرجة كبيرة على تعلم الصبر والتماس الاعذار قدر الامكان لهذه النوعية من البشر، التي لا تألو جهداً في النيل من امكانات وقدرات الانسان الناجح، الذي يرزقه الله من حيث لا يدري. فقد تحدث زكي نجيب محمود عن هذا النموذج البشري من خلال مقولة «ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع» منوهاً الى سذاجة البعض في تبنيهم هذه المقولة «عمّال على بطّال» أي فيما يستحق ولا يستحق، حيث أوضح ان الطير من طبيعته ان يهبط آخر المطاف الى غصونه وأعشاشه ليبدأ رحلته اليوم التالي، وان ربط هذا المعنى بارتقاء الانسان يعتبر ربطاً متعسفاً لا يخلو من سفاهة وبلاهة، ولقد ضرب الكاتب مثالاً على ذلك حيث ذكر ان كاتباً مثل شكسبير مازال محلقاً ولم يسقط رغم رحيله، فما بالنا بالاحياء الذين قدر لهم أن تمنح لهم الفرصة لصقل قدراتهم وامكاناتهم الوظيفية، الأمر الذي يعود بطبيعة الحال بالنفع والخير على الموظف ومؤسسته، وهو ما لا يرضاه أصحاب الياقات البيضاء الذين برعوا في تقطيب الجبين وتدخين «البايب» كمظهر من مظاهر الوجاهة الفارغة، وقديماً قالوا ان الكيس الفارغ لا يقف مستقيما!.. ويبدو أن صديقي لم يرتح له بال مما قلته آنفاً، لذلك سألني، وماذا عن صغر السن وارتباطه بالمنصب أو الترقي، فقلت له: ان رامبو هذا الشاب العشريني أثر في كثير من فطاحل الشعر ورواده في العالم. وإن عدد السنين الكثيرة لا يفرز كل ما هو لائق ومحترم، فالفرق كبير بين الخبرة والابداع. وان ما حصل عليه صديقي لا يعدو أن يكون مجرد وضع الأمور في نصابها. عموماً.. يبدو انني نجحت في اقناع صديقي وارضاء خاطره، لذلك انتهت المكالمة وهو في أحسن حال، لكن الطريف انني اكتشفت ان منزلي لا يوجد به هاتف!! والمكالمة لم تتم، لكن القصة تظل صحيحة في كل زمان ومكان!!