السبت 1ذو القعدة 1423 هـ الموافق 4 يناير 2003 تطرق عقارب الساعة بثوانيها ودقائقها أبواب اليوم الثالث من العام الجديد، هذا العام الذي تمناه الجميع أن يكون عام الخير والتسامح والسلام، بدءاً من أصغر شخص في أكبر ولاية أميركية، وانتهاء بأكبر شخص في أصغر قرية عراقية.. لكن الواقع والأرقام والأخبار ولغة السياسة وحسابات المصلحة واسرائيل، كلها دلالات تقول غير ذلك! الولايات المتحدة التي تمسك شعلة الديمقراطية هي نفسها التي تلوّح بعصا التطرف السياسي في وجوه الدول والمؤسسات والهيئات الدولية، تارة بالتهديد، وأخرى بالوعيد بمباركة جماعات الضغط اليهودية التي تتغلغل في شريان الدم الأميركي.. فما دامت المصلحة تحتم التدمير فما على الادارات السابقة واللاحقة إلا التنفيذ والانصياع للأوامر بعيداً عن أكذوبة السلام الكبرى، وما دامت الأوامر الاسرائيلية حددت العراق ودقّت نواقيس الحرب، فالحرب قادمة لا محالة، لأن مصلحة اسرائيل تقول ذلك. المثير في الحالة الاميركية الاسرائيلية هي الأرقام المذهلة التي لا تتكشف للناخب الأميركي المغلوب على أمره، فواشنطن أنفقت وخسرت 1600 مليار دولار لدعم الدولة العبرية منذ العام 1973، وهذا الرقم يمثل حسب توماس ستوفار وهو خبير اقتصادي أميركي أكثر من ضعف تكلفة الحرب في فيتنام! ومؤخراً كشفت صحيفة «كريتسان ساينس منيتور» الاميركية ذائعة الصيت ان اسرائيل تريد المزيد، حيث طالبت في نهاية شهر نوفمبر الماضي بدعم عسكري يقدر بأربعة مليارات دولار، وثمانية مليارات أخرى في شكل قروض امتيازية لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها. ويرى ستوفار، الذي سبق وأن أثار غضب جماعات الضغط اليهودية على مدى عشرات السنين، يرى ان مشاكل الاقتصاد الاسرائيلي تجعله يشك في قدرة الدولة العبرية على تسديد الديون، ويتساءل حول الطرف الذي سيدفع القروض الجديدة، ملمحاً الى الحرب الاميركية على العراق! ويؤكد على ان النفقات المعلنة لدعم اسرائيل سنوياً، والمقدرة بأكثر من ثلاثة مليارات دولار، لا تمثل سوى الجزء الذي يعرفه غالبية المواطنين الأميركيين الذين يعتقدون انه ينفق في موضعه لخدمة الديمقراطية والمصالح الاستراتيجية في المنطقة.. لكنه يشير الى مساعدات أخرى، إن لم تكن خفية فهي غير معروفة من الجميع. من هنا علينا ان نعي قوة وقدرة اللوبي اليهودي الضاغط بقوة خلال تلك السنوات الطويلة على رقبة الادارات المتعاقبة على البيت الأبيض وسطوته وتدخله في تفاصيل السياسات الخارجية التي لم تتغير إلا الى الأسوأ وبما يخدم المصالح الاسرائيلية. وعودة الى ستوفار، فقد وجد الرجل من خلال حسابات دقيقة ان التدهور الذي يصيب الاقتصاد الاميركي سببه اسرائيل، وكأنه يريد ان يكرر بصوت مسموع ما قاله المطرب الشعبي شعبان عبدالرحيم «أنا بكره اسرائيل»! ويعتبر ستوفار ان تكلفة واحدة ضخمة على الأقل ليست سراً لأنها تمثل الأموال التي دفعتها الخزينة الأميركية بسبب الضرر الاقتصادي الناجم عن دعمها لاسرائيل بعد الحروب العربية الاسرائيلية، مشيراً الى ان المساعدات العسكرية العاجلة التي قدمتها واشنطن لاسرائيل خلال حرب اكتوبر 1973 والتي كانت سبباً في استخدام الحكومات العربية النفط سلاحاً ومنع بيعه للولايات المتحدة مما أدى الى ركود اقتصادي في أميركا كلف خزينتها 420 مليار دولار اضافة إليها 450 مليار دولار أخرى تمثل نسبة الزيادة في أسعار النفط. كل ذلك جعل واشنطن تأخذ تدابيرها لمواجهة نفاد النفط من الأسواق، حيث قررت آنذاك اقامة خزان استراتيجي كلّفها 134 مليار دولار أخرى. ولم يقف ستوفار عند هذا الحد، بل أشار إلى استنزاف اسرائيل الأموال الأميركية بشكل ربما يثير دهشة المواطن الأميركي، فالأموال التي تجمعها المنظمات اليهودية في أميركا والتي تكون على شكل منح تصل الى 60 مليار دولار، اضافة لذلك دفعت أميركا 25 مليار دولار لدعم مشروعي الطائرة المقاتلة «ليفي» وصاروخ «آرو» الاسرائيليين. كما ان اسرائيل تستخدم 40% من المساعدات العسكرية الاميركية التي تقدم لها سنوياً والبالغة نحو 18 مليار دولار لشراء تجهيزات مصنعة داخل اسرائيل بدل انفاقها في شراء أسلحة أميركية، اضافة لحصول اسرائيل على تعهد من وزارة الدفاع الأميركية من وكلائها لشراء معدات اسرائيلية وخصم أثمانها من الأموال التي تقدمها اميركا لاسرائيل، وغير ذلك كثير.. لا أدري بعد ذلك كله كيف ستكون أمنيات الناس في العام الجديد، خاصة الولايات المتحدة التي تجرها اسرائيل جرّاً لاشعال فتيل الحرب لخدمة مصالحها في الشرق الأوسط. ومن هنا علينا ألا نستغرب من غفلة المواطن الأميركي، فهو «شاهد مشفش حاجة» لأن الديمقراطية الأميركية هي من صنع اللوبي اليهودي.. والسياسة الأميركية مكتوب عليها صنع في اسرائيل!