السبت 1ذو القعدة 1423 هـ الموافق 4 يناير 2003 في مأتم العام المنصرم تزدحم اروقة الصحافة المطبوعة، والمسموعة، والمرئية، بأوراق النعي التي تعلن بمرارة دفينة، ويأس قاتل، عدة اقانيم او احلام عشناها بأعصابنا، واهدابنا، ورفات قلوبنا طوال عمر جيلنا الذي عاش النصف الثاني من القرن الماضي. الاول جامعة الدول العربية التي شاءها شعبنا بيتا للعرب،يلتقون في ظلاله، ويتبادلون الاوجاع والشكاوى، ويتعاورون الهموم والتطلعات، فإذا بها وقد جبهتها الاحداث الجسام التي عبرت تحت جسر هذه الامة بدءا بنكسة 1948 ومرورا بنكسة يونيو اللعينة، وانتهاء بما نحن فيه الان من تهديد اميركي صهيوني للعراق الحبة في «المسبحة» العربية المزمع فرطها لاعادة صياغة «الشرق الاوسط» وفق المشيئة الصهيونية! الثاني: نعي التضامن العربي الذي عزفنا على اوتار جرحه، ووجعه يوم افتقدنا الكلمة الفاعلة في ساحة الدعوة للوحدة العربية التي تشكل وحدها الحصن، وخشبة الخلاص، وجسر الانتقال المسئول، والواعي الى المستقبل القومي الواعد. الثالث: هو نعي النظام العربي، حيث تصور هذه الصحافة البائسة واليائسة والمحبطة، ان ضرب العراق قدر محتوم، وان انهيار السد العربي، حقيقة واقعة، وان الوحش الاميركي الصهيوني الذي سيفترس العراق ارضا وشعبا ودورا، وموقفا، وتاريخا سوف ينتقل بعد انهاء وليمته العراقية الى الاقطار المجاورة للعراق فيستبيح ويكتسح، كما السكين بقطعة الجبن الطري. ان نومة اهل الكهف هي المرشحة لمستقبل هذه الامة من محيطها المتشظي الى خليجها المتداعي تحت مظلة شماته الشامتين، وفرح النخب التي لجمت السنتها زمنا حتى جاء العدو ـ من خلف البحار ـ ليفك القيود عن افواهها لتتنفس هواء انسانية الانسان الذي ولد حرا فكبلته الانظمة الخائفة والراجفة بألف قيد.! الرابع: هو القضية الفلسطينية التي تصورها اوراق النعي على انها مركبة في طريق صحراوية سهل توجيهها والانتقال بها من هضبة هنا الى واد هناك. ومن هنا كان تفصيل الخرائط للقضية الفلسطينية احدى المهام الاساسية لصحافة «الاحباط». فلن يبقى فلسطيني واحد بين البحر والنهر، سيتحول شعب فلسطين في التشريد الاخير الى ارض غير فلسطين يعيش فيها تحت مظلة العدو الاميركي الصهيوني واعطياته وصدقاته التي لا تنقطع فتميت، ولا تزداد فتشبع! اما الامم المتحدة، وغرق سفينتها في بحر الفيتو الاميركي فهذه المسألة اكثر واقعية ومصداقية بين كل اوراق «النعي» التي اشهرتها الصحافة في خواتيم العام الذي نودع. غير ان المناضلين، والمؤمنين، بقدر هذه الامة، وقدرتها على النهوض والانبعاث يرفضون كل ما اعتبرته «صحافة النعي» حقيقة واقعة، وقدرا محتوما من خلال اعلانها وفاة هذه الامة! فلعل صمود الانتفاضة الباسلة، وبطولات جماهيرها، واستشهادييها تشكل بؤرة الضوء الهتاك كل ظلمة يراد تأبيدها، وكل حالة من اليأس يحاول العدو اشاعتها ألم يعلن الاعلام العالمي المنصف ان العام المنصرم كان عام الانتفاضة، وان كلمة الانتفاضة دخلت قواميس العالم وثقافته، واصبحت العنوان الاسطع في ادبيات السياسة الدولية، ومصدر القلق الاكبر للعدو الصهيوني الذي امسى استقراره في فلسطين موضع شك لدى «مواطنيه» واصدقائه وحلفائه وداعميه لاول مرة منذ احتلاله فلسطين حتى اليوم؟! ان الحقيقة التي لا يختلف فيها اثنان، ولا يتناطح ـ عنزان ـ هي ان الشرعية الدولية كانت خلال العام المنصرم القتيل الاكبر الذي نحر على مذبح البيت الابيض، وعتبة مجلس الامن الدولي كما ان هناك حقيقة غاية في الوضوح والسطوع وهي ان هذه الامة لن تندثر بعدوان على العراق اذا حصل ولا بحرب تشنها اميركا والصهيونية العنصرية عليها، لان لها من الجذور الضاربة في تربة التاريخ ما يجعلها تستعصي على الموت الذي يفصلون اكفانه وتوابيته في واشنطن تمهيدا لاعلان موعد الدفن في العام الجديد. ان انتصار الامة العربية الذي يستمد مسوغاته من بطولات اكتوبر والجنوب وتضحيات الانتفاضة، لابد ان يسقط رهانات جميع اليائسين والمحبطين في العام المنصرم والاعوام الطالعة. ومن يعش، يشهد... ـ نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب