السبت 1ذو القعدة 1423 هـ الموافق 4 يناير 2003 يقيناً، يمثل غياب الديمقراطية واحداً من أهم البنود الثابتة في أجندة الازمات العربية الشاملة. وغير المتفق عليه هو ترتيب هذه الازمة وموضعها على مدرج الازمات الاخريات وصلتها بها. بعض الشراح والمهتمين من مشارب مختلفة يضعون مطلب الديمقراطية في رأس الأجندة، باعتبارها المشكلة الأم التي بعلاجها يسهل التعامل مع بقية البنود، كالتنمية الاجتماعية والاقتصادية والتطور الوحدوي والدخول إلى مقتضيات العصر، وأهم من ذلك كله التحرر ومواجهة الضغوط الخارجية متعددة الأنماط والمداخل.. الديمقراطية بمعناها العام عند هؤلاء هي القضية المفتاح، كلمة السر، للانتقال إلى عالم عربي أكثر اشراقا وأعز جانبا على جميع الصعد، هي «الباب الذهبي» الذي يفضي الى النهضة العريبة كما تصورها السلف ويتطلع اليها الخلف. ولكن الواقع العربي لا يعدم وجود مدرسة فكرية وسياسية تنطلق في تحليلها للأولويات ومقاربة مسلسل الازمات على نحو مغاير تماما. مدرسة تعتبر أن اشكالية الديمقراطية ليست القضية رقم واحد ولا هي مصدر الاشعاع الأول للمحن العربية، بل وتذهب الى انها موضوعيا قد تكون مجرد نتيجة للازمات المستعصية الاخرى لا سببا لها. العقل المشقوق التناظر بين هاتين المدرستين قائم لا يقر له قرار منذ عقود، غير ان الجهد الأكبر في هذا الاطار ينصب على العلاقة الجدلية بين التطور الديمقراطي والتحرر الوطني أو القومي، ففيما يخص هذه الجدلية يبدو افتراق المتناظرين حادا وقطعيا ولا مجال فيه للمساومة، وذلك على غرار الاختلاف القديم جدا والمبتذل جدا حول «ايهما أولا.. البيضة أم الدجاجة»!.. وسط هذا التمايز الذي يكاد يشق العقل العربي شقا، جاء من أقصى العالم من يحمل بشرى الحل، فبعد تردد وتأجيل تقدم كولن باول وزير الخارجية الاميركي بوصفة تنم عن أن واشنطن حسمت أمرها ووضعت اصبعها على الترتيب الصحيح للأولويات، قوامها ان «الديمقراطية هي الحل» وذلك على شاكلة تحاكي توصيف المدرسة الأولى المومأ اليها. وطبقا لهذه «الروشتة» فإن شفاء العرب من عللهم القديمة والقائمة والمستقبلية مرهون على دمقرطة حياتهم السياسية. فالسلام والحرية والتنمية الاقتصادية والازدهار الاجتماعي ومحو الامية وطرد الفقر والفكر الظلامي واصلاح ذات البين داخل العالم العربي «وليس الوحدة بالطبع»! ومع عوالم الآخرين بالجوارين القريب والبعيد، ووعود رائعة اخرى لا يتسع المقام لذكرها..، وذلك كله سيصبح في متناول العرب بعد تناول اكسير الديمقراطية. والحق أن الطبيب الاميركي لم يتركنا في حيرة من امر نقطة البداية في هذا السياق. فهو حددها بالمناطق الأكثر نزيفا على صعيد التحرر الوطني والغزو الخارجي الاستعماري الماثل منه والعتيد المنتظر، فلسطين والعراق! ولكرمه ايضا، فإنه بسلوكه الفعلي أظهر انه سوف يتولى العناية بهذه النقطة من تلقاء نفسه.. في فلسطين عبر العمليات الجراحية الارهابية لشريكه وتابعه الصهيوني الذي يسهر على دحر المكون السياسي النظامي القديم، قيادة وتنظيمات سياسية ومدنية وبنى تحتية اجتماعية واقتصادية وفكرا.. وفي العراق عبر عمليات جراحية أكبر وأكثر جذرية سيضطلع بها بنفسه، وحبذا لو قاسمه هذا الفعل الانساني الرفيع العالم كله ممثلا بالأمم المتحدة.. ولكن تحت عينه وزعامته! ولان المريب يكاد يقول خذوني، فقد انطوت خطة باول على مآخذ سريعة الكشف بادية العورة. فهي رصدت 29 مليونا من الدولارات «لا ندري لماذا لم تكن 30 مثلا؟»، تنفق سنويا على تشجيع الإصلاح الديمقراطي والتعليم الليبرالي والمشاركة السياسية وجماعات المجتمع المدني.. وكان ذلك مدعاة للسخرية والاستهزاء حتى من أكثر الخلق ميلا لأصحاب الخطة، وكثف الدهشة من هذا الرقم أنه لا يعدو نسبة الواحد الى ثلاثمائة من نظيره المتوقع للانفاق على «دمقرطة» العراق وحده بالقوة، فكيف الحال بدمقرطة العالم العربي بقده وقديده؟! دبلوماسية الخديعة لقد قيل الكثير في قدح هذه المقاربة الاميركية الاستحماقية لقضية اخذت اجيالا من ذوي الاهتمام العربي فكريا وسياسيا. ولو كان الأمر هينا الى هذه الدرجة لكنا عشنا منذ عقود في رحاب الديمقراطية المأمولة. إن واحدا فقط من اثرياء اهل الخير العرب بوسعه توفير اضعاف المبلغ الذي اعتمده السيد باول. لكن هذا الاخير ليس بشخصه ولا بمؤسسات صنع القرار في عاصمته ودولته الاعظم، اغبياء الى حد التهوين من ذكاء المتابعين في بلاد العرب والعجم لشأن التحول الديمقراطي على هذه الشاكلة. لابد ان وراء الطرح وأكمته ما وراءهما. عند محاولة استبصار هذا «الماوراء» فإن أول مايلح على الذهن ان المبادرة الاميركية من المنظور المالي بالذات، لا تكفي لدمقرطة حارة عربية، لكنها تكفي وتزيد لشراء مجموعات من العملاء والاتباع وقواعد الارتكاز، الذين يمكن بثهم هنا وهناك، للدعاية والترويج للمفهوم الاميركي حول الديمقراطية والحرية والسلام وثقافة التسوية ومحاربة الظلاميين، ونبذ المقاومين «أنصار التخلف والرجعية» والانفتاح الاقتصادي وحرية السوق!! هذا جائز جدا في ضوء الفكرة الاميركية القائلة بأن اسناد ودعم النخب «الديمقراطية» عملية تؤدي الغرض للتشويش على القوى المضادة للتغلغل الاميركي في هذه المنطقة. وليس ثمة أنسب من هذا التوقيت لاستحثاث هذه النخب وتنشيطها وردفها بعناصر ودماء جديدة. انها خشبة قفز مهمة للتغطية على قعقعة السلاح وتجييش الحشود لقصم ظهر العراق «عطفا على دمقرطته»! تقديرنا في كل حال ان القوة الظهيرة بلا حدود لكيان عدواني عنصري جاثم على صدر العرب، كإسرائيل، لا يمكن ان تكون معنية بدمقرطتهم، هناك تعارض لا يقبله المنطق في هذه المعادلة. الشعوب المقهورة بالغزو الخارجي ليست بوارد التمتع بحياة ديمقراطية داخليا. وسبق للعرب عموما ان خضعوا لأمهات «الدول الديمقراطية» في العالم، فلم يرثوا عنهم الا الأسوأ. لقد خانت هذه الدول مبادئها. ومؤخرا اعترف وزير الخارجية البريطاني بالغبن التاريخي الذي ألحقته بلاده بمنطقة الشرق الأوسط. على أن للخديعة التي تسعى الدبلوماسية الاميركية ومن يوالونها بيعها للعرب فضيلة يتيمة، هي انها تلفت نظر المتجادلين بشأن أولويات اجندة الهموم العربية الى ضرورة عدم التسامح مع قضية التحرر الوطني والقومي تحت ضغط التحرق للديمقراطية، والمراد بذلك الاجتهاد الى اخر الممكن في البحث عن كيفية المزاوجة نضاليا بين الهدفين. بصيغة أخرى، لا حكمة اطلاقا في الزعم القائل بأنه ينبغي - أو يمكن - تأجيل مقاومة الغزو الخارجي لحين دمقرطة الحياة السياسية العربية. فالاستعمار بشتى أقنعته والديمقراطية لا يلتقيان. ويستتبع هذه القناعة أن الديمقراطية لا تستورد كسلعة جاهزة أو سابقة الاعداد «تسليم مفتاح» من اي مصدر خارجي. الديمقراطية قيمة تتحراها المجتمعات وتسعى اليها عبر عملية تاريخية ممتدة بالغة التعقيد مليئة بالمعاناة. وهي قيمة تستحق الثمن المطلوب، الذي هو أكثر بمسافة ضوئية من ذلك المطروح في مبادرة باول. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة