السبت 1ذو القعدة 1423 هـ الموافق 4 يناير 2003 «انا غير متأكد من ان العراق يملك بالفعل اسلحة دمار شامل». هكذا خاطب الرئيس بوش الاميركيين في مناسبة رأس السنة الجديدة من مزرعته الخاصة في تكساس وهو يرتدي «سويتر» دون رباط عنق مما اضفى المزيد من اللطف على بهجته التصالحية تجاه دولة مصنفة اميركيا ضمن «محور الشر» او مجموعة «الدول المارقة». كانت تلك صورة مناقضة تماماً للصورة التي ظلت سائدة حتى نهاية العام الذي تلاشى ويظهر فيها بوش كرئيس مقاتل يرعد ويبرق اذ هو يبعث برسالة تهديد الى بغداد مفادها «نحن نعرف ان العراق يمتلك اسلحة دمار شامل.. واذا رفض ان ينزعها فسوف ننزعها منه بوسائل القوة اذا دعت الضرورة». فلماذا يتراجع بوش بعد شهور من ارعاب العالم بقرع طبول الحرب؟ ربما يقال ان الرئيس الاميركي توصل اخيراً الى قناعة بأن الولايات المتحدة تواجه حتمية خسارة معركة التفتيش الدولي بعد انقضاء شهرين متتابعين من عمل فرق التفتيش الدولية داخل العراق وما ينيف على 300 عملية دون ان تظفر كوادر التفتيش بأي شيء يمكن ان ينهض كدليل حاسم وقاطع بأن العراق مازال يحتفظ بأسلحة نووية او كيماوية او جرثومية. وكامتداد لهذا الافتراض ربما يقال ايضا ان واشنطن ترمي الى تهيئة اذهان العالم لتغيير مسلكها الدبلوماسي من موقف عدائي الى موقف تصالحي على صعيد مجلس الامن الدولي عندما يجتمع خصيصاً يوم 27 يناير ليستمع الى تقرير تقييمي بشأن مهمة التفتيش في العراق يتقدم به رئيس التفتيش هانز بليكس. وربما يقال على صعيد مختلف تماماً، ان الولايات المتحدة وجدت نفسها فجأة أمام أزمة خارجية جديدة تتضاءل حيالها نسبياً الازمة مع العراق وهي الازمة مع كوريا الشمالية. لقد رتبت الولايات المتحدة قضيتها ضد العراق على اساس اسطورة اطلقت عليها «اسلحة الدمار الشامل» من اجل استغلال الاسطورة كذريعة لشن حرب على هذه الدولة العربية. لكن واشنطن تعلم اكثر من غيرها ان «الدمار الشامل» لدى كوريا الشمالية ليس اسطورة فالصواريخ الكورية طويلة المدى المزودة برؤوس نووية يمكن ان تطال الاراضي الاميركية من لوس انغلوس الى بوسطون عبوراً بواشنطن. لذا فإن الازمة مع كوريا الشمالية مسألة حياة او موت مما يتطلب التفرغ لها بتهدئة الازمة مع العراق. كل هذه العوامل واردة لتفسير بوادر التراجع الاميركي تجاه المسألة العراقية رغم استمرار الحشد العسكري على خط مواز. واذا صح فعلا ان الادارة الاميركية قررت تبني خط تصالحي تجاه العراق فإن المقصود من استمرار التحضيرات الحربية في هذه الحالة ربما يكون مواصلة ترعيب العراق.. وليس بالضرورة شن حرب عليه. ومع اخذ هذه العوامل كلها في الاعتبار فإن هناك عاملاً اخر يبدو الاشد حسما هو احتداد الموقف الداخلي الاميركي ضد الحرب. قبل بضعة اسابيع قامت مئة شخصية اميركية بارزة ومشهورة بالتوقيع على خطاب يعارض قيام الولايات المتحدة بهجوم على العراق. ومن بين هؤلاء مجموعة من كبار نجوم هوليوود مثل مات ديمون وكيم باسنجر وصامويل جاكسون وايثان هوك ومارتن شين، وقد قريء نص ذلك الخطاب الموجه الى الرئيس بوش في مؤتمر صحفي ترأسه النجم السينمائي الشهير مايك فاريل الذي بدوره اسس منظمة يطلق عليها «فنانون متحدون للانتصار بدون حرب». في الوقت نفسه اعلن تنظيم جديد ايضا في الولايات المتحدة اطلق عليه «اتحاد من اجل السلام» انه يرتب لاقامة «يوم للعمل المحلي» لتسيير مظاهرات وتنظيم اعتصامات ليس داخل واشنطن فحسب بل ايضا في مئات المدن والبلدات في الولايات المتحدة. وجرى ايضا انشاء ائتلاف كبير ذي نفوذ اكبر يتكون من كبرى المنظمات المدنية والدينية والبيئية الاميركية، وبعث هذا الائتلاف المظلي برسالة قوية اللهجة الى الرئيس بوش حث فيها الرئيس على «الامتناع عن مهاجمة العراق»، وتقول الصحافة الاميركية ان هذا التجمع الذي يطلق عليه «النصر بغير الحرب» يتمتع بنفوذ مالي ورصيد سياسي كبيرين ويقوم التنظيم بممارسة ضغوط على الادارة الاميركية والكونغرس واقامة مناسبات اعلامية ونشر اعلانات مدفوعة الاجر من اجل مناهضة الحرب ضد العراق ويقول التجمع في ادبياته ان مشكلة العراق يمكن ان تحل دون اراقة دماء عن طريق مساعدة نشاط التفتيش الدولي. والسؤال الذي لابد ان يؤرق ذهن الرئيس بوش ومساعديه هو: اذا كان هذا هو حال الجبهة الداخلية حتى قبل اطلاق رصاصة واحدة تجاه العراق فكيف يكون الحال اذا اشتعلت الحرب فعلا؟ اما اذا اضفنا العوامل الخارجية فإن الادارة الاميركية لابد ان تكون قد توصلت الى قناعة حسابية بأن الخسائر سوف تربو على المكاسب في حالة شن الحرب.