السبت 1ذو القعدة 1423 هـ الموافق 4 يناير 2003 لا أحد يريد تحرير بلاده وتحسين معيشته وتغيير أنظمته، كما يفعل العرب عبر الهاتف! حيث ان هناك برنامجاً للرأي يبث فضائياً من احدى المحطات، وهو مفتوح لأصحاب الرأي ليقولوا في شئونهم وشجونهم، ولينبشوا في ماضيهم، وليحرقوا الأرض تحت أعدائهم، وجميع هؤلاء الذين يفعلون ذلك، يقيمون خارج الوطن العربي، فتراهم يتصلون من السويد ولندن ومن استراليا ونيوزيلندا، وصولاً إلى باكستان وأفغانستان المحررة! القاسم المشترك الأعظم بينهم جميعاً هو رغبتهم قلب الحياة في بلادهم وتحويلها إلى ديمقراطيات تشبه الأماكن التي اختاروا العيش فيها، حيث يقفون في الطابور للحصول على الخبز، وفي الطابور للحصول على معطف، وطابور آخر لشحنهم الى حقل مجاور ليعزقوا الأرض، وينبشوا البطاطا، وهم سعداء لأنهم يعيشون أحراراً في بلاد ديمقراطية تضمن لهم حق الاقتراع والتصويت وتمنحهم المواطنية من الدرجة العاشرة، وتعاملهم معاملة الجيتوهات، وتخضعهم لفحوص دورية اجبارية حتى يتأكدوا من خلوهم من الأمراض المنقرضة كالسل والجدري والطاعون والكوليرا وسواها من الجائحات التي يصدرها العالم «المُفْقَر» إلى العالم الحر الغني. الطريف في هؤلاء انهم يعيشون وهماً قديماً اسمه الحرية، ووهماً آخر اسمه الديمقراطية، ووهماً ثالثاً اسمه العيش الكريم وأوهاماً أخرى قرأوا عنها ولم يعرفوها أو يشهدوها. الحرية يا حبايبنا لا تُؤخذ عبر الهاتف عن بُعد آلاف الأميال، والديمقراطية لا تكون على ظهر دبابة أميركية، والعيش الكريم ليس في طوابير الخبز والشوربة على أبواب الجمعيات الخيرية بأوروبا. تلك أوهام لو أدركتموها في أوطانكم مسبقاً لما احتجتم الى الهرب بعيداً، ولكي ندلل صدقاً على ما نقول، فقد قررت دولة تكره اسرائيل وتحب بلاد العرب أوطاني، اجراء انتخابات حرة (على غير عادتها) لاختيار أعضاء البرلمان، فاختار الشعب أعضاء البرلمان من بين الزعماء التقليديين للعوائل الكبيرة، والمتزمتين فكرياً، وبعض كبار التجار ومعهم ثلة من قطّاع الطرق أو المهربين، ولا يخلو الحال من المتنفذين العسكريين لدعم حملاتهم الانتخابية، وهكذا أصبح البرلمان فلكلوراً فسيفسائياً عليه ان يحمي الحريات والديمقراطيات والعيش الرغيد للانسان وهو لا يعرف طريقاً تؤدي الى ذلك، فحصل الذي حصل وخلال نصف قرن من خروج الاستعمار، أصبحنا نسمع ان الانسان العربي يتمنى عودته حتى ولو على ظهر دبابة أميركية! لقد تحوّل البرنامج الذي يبث من تلك الفضائية الى زعيق دائم وهتافات بائدة في حقل فسيح من الأحلام المستحيلة، وهو صدى حقيقي لآلية التفكير التي يسير عليها العرب، حيث السعي الى الأفضل على طريقة (اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون). ولا يعني كل ما تقدم تذكيراً بالموّال السبعاوي لوديع الصافي «يا مهاجرين ارجعوا غالي الوطن غالي» بل يعني، ما هكذا تورد الابل، وقليل من العقلانية والهدوء في مناقشة الأمور وتحليلها، لأن الزعيق العربي غطى الفضاء.. لكن لا جدوى أو لا حياة لمن تنادي!