الجمعة 29 شوال 1423 هـ الموافق 3 يناير 2003 جنباً الى جنب ظهرت حركة مناهضي العولمة كحركة موازية لكل تجمع من شأنه ان يمس حقوق الفقراء او العمال او الفلاحين أو البيئة أو مقدرات الدول النامية .. وكما احتار الناس في فهم العولمة وما زالوا فهناك من لايزال في حيرة من امره بخصوص تلك الجماعات التي تظهر في اجتماعات تكريس العولمة لتعلن معارضتها بشكل صدامي في بعض الاحيان كما رأيناه في قمة سياتل بالولايات المتحدة الاميركية عام 1999. ففي الوقت الذي فقد فيه مواطنو العالم العربي كل قدرتهم ورغبتهم على الحركة في اتجاه المقاومة والتغيير، واستسلموا بشكل مؤسف لعمليات التخريب والاستلاب التي تمارسها عليهم سياسات وسياسيو العالم المتقدم والدول الصناعية الكبرى، فإن جماعات مناهضي العولمة ما زالوا يتحركون على مسرح الاحداث العالمية بأفكار يراها البعض احياء لافكار اليسار الماركسي الذي خفت صوته امام هدير العولمة والرأسمالية الشرسة، بينما يراها البعض الاخر اغراقا في اليوتوبيا (المثالية) الاشتراكية. وأيا كانت القاعدة ـ ولا شك بأن هناك قاعدة ترتكز عليها هذه الجماعات ـ فإن جماعة مناهضي العولمة ليسوا شباباً فوضويين بلا هدف، او انهم مجرد حركات منتمية الى مؤسسات مدنية تحاول ان تعلن صوتها المعارض لسياسات العولمة تأكيدا لمبدأ حرية الرأي فالقضية ليست ترفاً فكرياً على الاطلاق، انها احدى أشرس حلقات الصراع بين الاغنياء الذين يخططون للسيطرة على كل شيء في مواجهة الفقراء الذين يراد لهم ان يستسلموا ويسلموا كل شيء بما في ذلك ثقافتهم، وحريتهم وحقوقهم وبداية لقمة عيشهم. جماعات مناهضي العولمة الذين شاهدناهم في قمة سياتل وهم يجرجرون على الاسفلت بأيدي قوات الأمن الاميركية وفي قمة جنوة وهم يمارسون اعتراضهم وغضبهم بشكل أعمى، وفي قمة الارض في جوهانسبرغ (اغسطس الماضي) ليسوا مجرد شباب يتحركون بعشوائية، انهم جماعات منظمة تحمل افكاراً واضحة ازاء تهديدات العولمة ومضارها، ولذلك فهي تتشكل من المتضررين من سلبيات العولمة، كاتحادات الفلاحين الفرنسية والايطالية والبرازيلية، ونقابات العمال الاوروبية والاميركية، وكذلك حركات شبابية انجليزية وأميركية، والحركات النسائية المدافعة عن حقوق المرأة، وجماعات حماية البيئة. (جوزيه بوفيه) مزارع بسيط في ريف فرنسا، قام بتحطيم احد محلات (ماكدونالدز) ببلدته احتجاجا على فرض اميركا رسوما جمركية على الجبن الذي ينتجه ويصدره لأميركا، وحينما تم اعتقاله رفع مناهضو العولمة في كل مكان شعار (كلنا جوزيه بوفيه) ومنذ ذلك الوقت اصبح ذلك المزارع الشهير الاب الروحي للحركة، اضافة لرئيس تحرير مجلة (لوموند دبلوماتيك) الذي اسس منتدى (أتاك) عام 1998 كأول منظمة مناهضة للعولمة، ولعل من اشهر مؤيدي الحركة عالم اللغويات والمعارض السياسي في الولايات المتحدة البروفيسور نعوم تشومسكي. حركة مناهضة العولمة تقف بشدة ضد كل السياسات الاقتصادية العالمية التي تهدف في النهاية الى وضع كل النشاط الانساني في السوق للبيع بما في ذلك التعليم والثقافة والصحة، ولذلك فإن احد اهم مطالب الحركة هو ارساء قواعد تجارية مالية عادلة، اذ ليس من المنطق او العدالة ان يمتلك ثلاثة رجال فقط ثروة تساوي قيمة الانتاج القومي لـ 48 دولة وفق احصائيات مرصد العولمة في باريس!! في مظاهرات اجتماع زعماء الدول الصناعية الذي عقد في مدينة جنوة العام 2001 صرخت احدى العاملات الفرنسيات (لقد جئنا لنقول لهؤلاء اننا لا نسمح بدفع حياتنا مقابل أرباحهم)، فماذا يقول مواطنو العالم العربي وهم يدفعون حياتهم مقابل ارباح مافيا النفط في الولايات المتحدة، ومافيا المصالح في العالم أجمع ومافيا البلادة في الأنظمة العربية؟