الجمعة 29 شوال 1423 هـ الموافق 3 يناير 2003 الذي صنع فينا الفرح ومنحنا نشوة الانتصار، وولّد عندنا الأمل في لحظات القلق والرهبة والخوف ـ خوف الرياضي في الزمن الذي تتسارع فيه دورة الثواني تكون أسرع من حركة الكرة عند المهزوم الذي ينتظر معجزة تمنحه الفوز. ذلك المبدع المنقذ الصانع يحتاج منا أن نحبه دائما، وأن نسكنه قلوبنا، يسكن فيها للأبد. عرفنا الطلياني عدنان في الثانوية، بعضنا في الابتدائية وكبر معنا. في أيام الصبا تلك حببنا إلى الرياضة، وأصبحنا «شعباوية» فقط لأن عدنان فيه، ننتظر «الكومندوز» لنشاهد عدنان ونشجع عدنان، ونبيت الليل في همّ وزعل إذا انهزم الشعب. وعندما دخلنا الجامعة، وعشنا في حرمها، كانت أجمل الأيام تلك التي نتجمع فيها نحن جيران الغرف المتلاصقة أو مع زوار السكنات الأخرى، نجلس معا نشاهد المنتخب، ونشجع عدنان. كم أسعدنا الطلياني هذا وأدخل علينا الفرح في اللحظات التي يتلاشى فيها الأمل عندنا، ويكاد يموت فينا. قبل كأس العالم كانت تلك المرحلة أهم وأصعب مراحل الرياضات والبطولات في تاريخ كرة الامارات. في مرحلة التأهل تلك، كان عدنان الطلياني هو أغلى لاعب، وأجمل اسم رددته الامارات نشيدا عذبا في ذلك الوقت. فذلك الذي ادخلنا تاريخ الرياضة العالمية وأوصلنا إلى كأس العالم لأول مرة، ويبدو لآخر مرة أيضاً! وسر سحر عدنان الذي أودعه هذه القلوب المحبة على كثرتها وتنوعها وخلود هذا الحب فيها، ان المحبوب لم يكن لاعبا موهوبا ذكيا صانع بطولات فقط، إنما أكبر وأهم من ذلك، انه انسان مخلص، وفيّ، تحمل احباطات وصعوبات، وعاش بسيطا متواضعا خجولا محبا للجميع، وحافظ على اسمه وصورته ومكانته على حساب أمور ورغبات وفرص واحتياجات أخرى عديدة. فمن يملك أن يكون النجم الأول في زمنه، يتغنى به الجميع وينشده الجميع، وتبذل في سبيل الوصول له والاستحواذ عليه كل المغريات والعطايا، مزايا كانت ستجعله يعيش حياة الأحلام حقيقة، ويحسّن حاضر أيامه ومستقبل أسرته أيضاً. ورغم كل الشهرة والمجد والمزايا رضي ان يتنازل عن كل المطروح امامه ورفض النعيم الذي كان يقف له على الباب، وانشغل بهمّ ناديه «الشعب»، الذي كان آنذاك يسقط لأول مرة إلى دوري المظاليم، فمن كان يصدق أن أغلى لاعب في الامارات وواحد من أهم اللاعبين على مستوى الخليج والوطن العربي ينتمي إلى ناد درجة ثانية، ويرفض الخروج منه. لا أحد يصدق ذلك! ولكن عدنان الطلياني فعل ذلك، واغلق عقله وسمعه وكل مشاعره عن اي نداء آخر سوى أن ينقذ الشعب ويعود به إلى موقعه الطبيعي. تلك مرحلة لا ينساها أحد من «الشعباوية» كم كانت طويلة تلك الأيام ـ أيام الهبوط ـ تساوي عمر النادي ومسيرته الطويلة. من حسن حظي انني كنت أحد الذين اختارهم رئيس النادي لعضوية مجلس ادارته في ايامه السوداء تلك، وشاهدت من الداخل كيف يكون الاخلاص والتضحيات والوفاء والحب، كيف يكون الرجال كبارا على قدر المسئولية والهمّ. الطلياني كان أحد هؤلاء الرجال في الشعب، كانت مهمته الأصعب، أنها في المستطيل الأخضر الذي منه وحده تنطلق البطولات، ويعود المجد والشهرة. أذكر تلك اللوحة التي وقع عليها كل الفريق، والطلياني عدنان أولهم معاهدين رئيس النادي سمو الشيخ عبدالله بن سالم القاسمي وأسرة الشعب كلها، ألا يطول جلوسهم في قطار الثانية وأن يعودوا سريعا أقوياء إلى دوري الأبطال. حملت تلك اللوحة وعدهم وأحلامهم وتوقيعاتهم وصورهم، أرادوها للتاريخ، واشارة تذكرهم كلما ولجوا إلى المبنى الرئيس بعهد العودة. عدنان في تلك المرحلة وبعدها وقبلها كان هو المحرك الاول، اذا انفعل، ونادرا ما يحدث ذلك إلا في مواقف تفرض عليه الغضب والزعل، ارتبك الجميع وغضب له، واذا اصيب وخرج من الملعب، اعتل الجميع واصابهم الخوف من اللحظة التي لا يكون فيها عدنان. فقط وجوده يمنحهم الثقة والأمل، واذا تكاسل الزملاء أو شاغب بعضهم أو حاول أن يتمرد أو يتساهل ولو في أيام التدريب فإن نظرة أو كلمة من عدنان كانت كفيلة أن تصحح المسار وتضبط ايقاع الجميع. كان أول الملتزمين، أول الحاضرين إلى التدريب ولو طالت ساعاته، أول المنفذين لأوامر المدرب، وآخر الذين تسمع صوتهم وصراخهم سواء في الملعب أو خارجه. هذه الروح منحتهم القوة والثقة، وعادوا كما وعدوا سريعا إلى دوري الأولى، ووقف عدنان على المنصة ليتسلم من سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان رئيس اتحاد كرة القدم آنذاك درع البطولة وكأس العودة، وليمنحه وزير الاعلام بعد اقل من عشرة اعوام من ذلك الزمن تكريما آخر يليق بانجازاته وما قدمه للامارات. ذلك هو هذا اليوم الذي نعيشه في وداعية عدنان الطلياني. الذي قرأ ما كتبته الصحافة وما بثته وسائل الاعلام الأخرى خلال الأيام الماضية، ومن يبحر في الموقع الخاص الذي انشيء لهذا النجم، ويتصفح رسائل وأشواق المحبين، يشعر بحجم الحب والخسارة لابتعاده عن الملاعب. كتابات من كل مكان، من كل مدن الدولة وقراها، من خارجها ايضا، خليجيا ومن دول غربية، من عشاق شغلهم طوال حياتهم وأصبح منهم. ذلك الذي اسمى ولده عدنان، لأنه جاء في اليوم الذي حقق فيه الطلياني هدفا غاليا، فكبر الولد وجاء اليوم الذي يكتب فيه عدنان الصغير رسالة إلى «سميّه» وقدوته. وتلك الفتاة الرياضية التي اسمت ابنها عدنان، لان بطولات البطل كانت شاغلها اثناء الدراسة وبعد الزواج ورسائل جميلة من اصدقاء الملعب ومن ابنائهم. وتبقى اسماء عزيزة في تاريخ عدنان يذكرها دائما، لها أدوار في مسيرته: حمدان بن زايد وفيصل بن خالد وعبدالله بن زايد وعبدالله بن سالم. ورفاق ملعب في الشعب والمنتخب التصقوا به وحققوا معه الانتصارات والنجاحات. سيرة مشغولة بالحب والوفاء والاخلاص والبطولات، تستحق ان تكتب، فيها نموذج لا يتكرر دائما. انها سيرة بطل اسمه عدنان الطلياني. لن ينسى هذا الاسم ابداً.