الجمعة 29 شوال 1423 هـ الموافق 3 يناير 2003 اذا أردت ان تقيم في العاصمة الكينية نيروبي انت وأسرتك في امان فإن العارفين ينصحونك باقتناء مجموعة من الكلاب بالغة الشراسة من فصيلة «وولف» الالمانية. فلا فائدة ترجى من استئجار حارس من بني البشر.. فعصابات النهب المسلح بوسعها شراء ولاء الحارس كما اشترت رجال الشرطة. لكن كينيا لا تنفرد بهذه الخاصية.. كل العواصم والمدن في جميع انحاء افريقيا باتت غير آمنة بسبب البطالة ومضاعفات الفقر. في الاسبوع المنصرم جرت انتخابات رئاسية وبرلمانية في كينيا اجمعت وسائل الإعلام العالمي على انها «حرة ونزيهة». لكن ما الفائدة من وجهة نظر 98 في المئة من المواطنين تفتك بهم الفاقة والمرض.. بينما اعيدت إلى السلطة نفس الشريحة الحاكمة عدا شخص الرئيس؟ بعد ما يقارب ربع قرن من ممارسة الحكم غادر الرئيس دانيال اراب موي قصر الرئاسة نهائياً ليأخذ مكانه الرئيس المنتخب مواي كيباكي الذي يمثل نفس القبيلة المسيطرة على جهاز السلطة وبرفقته نفس الحاشية التي كانت ملتفة حول سلفه تشاركه ممارسة عادة الاثراء الشخصي من موارد الدولة. ارث الرئيس السابق يتمثل في انه انتقل بالبلاد إلى حافة الافلاس الكامل مع انهيار شامل في الخدمات الصحية وخدمات التعليم وخدمات امدادات المياه والكهرباء. ومع ذلك ليس من الانصاف تسليط الضوء على رئيس كينيا السابق وحده، فافلاس الاقتصاد الكيني ليس سوى مثال واحد لصورة نمطية لكل الدول الافريقية. ونمطية الصورة هي من نمطية الوضع السائد الذي يعكس تحالفاً بين طاقم السلطة و«صندوق النقد الدولي» الذي يضطلع في افريقيا وغيرها بدور المحامي عن مصالح الغرب.. وخاصة المصالح الاميركية. رجال الصندوق يغمضون عيونهم عن فساد طاقم السلطة وأسرهم وحساباتهم المصرفية المتنامية في بنوك اوروبية أو أميركية.. وفي المقابل تنفذ السلطة كل ما يطلبه الصندوق لصالح الشركات الغربية: من ذلك مثلا خفض أسعار صرف العملة الوطنية من حين لآخر مقابل الدولار لتبيع الشركات الغربية منتجاتها وخدماتها الى البلاد بأسعار أعلى وتشتري منها منتجاتها الخام بأسعار أدنى.. ثم تستجيب السلطة لطلب الصندوق ببيع مؤسسات الدولة التجارية الى اصحاب رؤوس الأموال الغربيين بسعر التراب باسم «الخصخصة». ومع استمرار هذا النهب الازدواجي عبر سنين طويلة ـ او عقود زمنية من السنين ـ تتآكل ارصدة الدولة من ارصدة النقد الأجنبي فلا يتبقى شيء للصرف على متطلبات الخدمات الاجتماعية بما في ذلك النظام التعليمي والنظام الصحي.. فيتفاقم الجهل والمرض. ومع ازدياد نطاق الفقر تتصاعد معدلات الاجرام وترتقي الجرائم نوعياً فتنشأ عصابات تنضم اليها عناصر الشرطة لأن القيمة الشرائية لرواتبهم تتآكل إلى درجة الصفر بسبب الانهيار المتصل في قيمة العملة المحلية. ويأتي انتشار وباء الايدز القاتل في البلدان الافريقية ليعطي بعدا اضافياً بشعاً لهذه الصورة النمطية، ووفقاً لاحصاءات منظمة الصحة العالمية فان من بين 45 مليون حالة ايدز في العالم هناك 35 مليون حالة في افريقيا وحدها. ومحنة الايدز ليست منفصلة عن محنة الفقر العام. فالاغلبية العظمى من المصابين عاجزون عن تحمل كلفة العلاج الباهظة، ومع تصاعد معدلات النزوح من الريف إلى المدن بسبب انهيار القطاع الزراعي تتفاقم في المدن ظاهرة الدعارة التجارية فتتصاعد بالتالي معدلات انتقال العدوى، ثم ان انتشار ظواهر المجاعة وسوء التغذية يؤدي بدوره إلى ضعف المناعة البدنية مما يعرض اعداداً اكبر فأكبر من الرجال والنساء للاصابة. ان ما يجرى في افريقيا اليوم هو جريمة متفاقمة المضاعفات تتضاءل امامها جرائم الحرب الصريحة. وهي جريمة ناشئة عن تواطؤ بين الطبقة الحاكمة ورأس المال الغربي كما يمثله صندوق النقد الدولي، ولذا فان الانتخابات في بلد افريقي لا تعني شيئاً حتى لو كانت حرة ونزيهة طالما ان فئات الشريحة الحاكمة تتناوب السلطة فيما بينها. وربما يقال انه والحال كذلك فلا خلاص للشعوب الافريقية الا الثورة المسلحة ولكن كيف يتسنى للفئات الشعبية الوفاء بمتطلبات الثورة المسلحة من تنظيم ونضال يومي وهي كسيحة بفعل انتشار الفقر والمرض والجهل خاصة وان حال الاجيال المستقبلية سوف يكون اسوأ من حال الاجيال الراهنة فبينما تتضاعف معدلات الاصابة بالايدز لم تحصل منظمة الصحة العالمية في الدول الصناعية الغنية الا على عشر الاموال المطلوبة لمكافحة الوباء. وللاسف فان افريقيا قارة تحتضر.