الجمعة 29 شوال 1423 هـ الموافق 3 يناير 2003 قبل يوم واحد من انتهاء عام 2002 أعلنت الحكومة الصينية أن حجم نمو الناتج القومي الصيني بلغ خلال ذلك العام 1.2 تريليون دولار، بمعدل نمو يساوي 8% من الناتج القومي لعام 2001. وقد أرجعت دوائر الاقتصاد الصيني ذلك النمو المرموق إلى عوامل ثلاثة أهمها تدفق الاستثمارات الأجنبية على الصين، وتصاعد معدلات الاستهلاك الداخلي، وتزايد طلب الأسواق الغربية للمنتجات الصينية. هذا النمو المتواصل للاقتصاد الصيني، الذي يصل إلى درجة أعلى مما تتوقع الحكومة الصينية نفسها في كل عام ـ على الأقل خلال السنوات الخمس الأخيرة ـ أصبح مثار اعجاب عالمي عام، وأخيراً عندما فازت الصين بعضوية منظمة التجارة العالمية ـ أو بالأحرى استعادتها لمقعدها القديم فيها ـ في ديسمبر من عام 2001، دفع ذلك بالشركات الغربية إلى التسابق على الرهان على مستقبل النهضة الاقتصادية الصينية ومن ثم قامت تلك الشركات خلال العام الماضي بضخّ نحو خمسين مليار دولار في شكل استثمارات إلى السوق الصيني، الذي أخذت شركاته ومؤسساته الاقتصادية تتكاثر وتتسع باطراد حتى بلغت نهاية هذا العام نحو 1200 شركة ومؤسسة اقتصادية برأسمال يصل في مجمله إلى نحو 500 مليار دولار. ولتشجيع المستثمرين الأجانب لضخّ مزيد من أموالهم في الصين خطت الحكومة الصينية عدة خطوات جريئة لعل أهمها هو إعلانها أخيراً عن تخفيض التعرفة الجمركية لأكثر من ثلاثة آلاف مادة من مدخلات الانتاج وسلع الاستهلاك، وإعلانها لمشروع تشريعات قوية لحماية الملكية الفكرية وبراءات الاختراع والأموال الخاصة، وهي تشريعات ستطبق على المواطنين الصينيين، وصينيي الشتات والمستثمرين الأجانب سواء بسواء. وهذه القوانين ظلت تشكل جوهر مطلب المستثمرين الأجانب في الصين منذ 1978 ولكنهم لم يظلوا بانتظار تحقيقها حتى يبدأوا بضخّ أموالهم إلى الصين، إنما ركبوا قطار المخاطرة بالقدوم بأموالهم إلى الصين، معتقدين أن بقاءهم للاستثمار هناك سيشكل أفضل دافع للمشرعين الصينيين لإعلان حزمة التشريعات اللازمة لضمان استثمار الأموال الغربية في الصين، وها هو البرلمان الصيني يتأهب لإعلان تلك الضمانات الاقتصادية التي تمثل من الناحية الأيديولوجية طعنة نجلاء للعقيدة الاشتراكية التي تحكم الاطار العام للنظام السياسي الصيني، ولكنها ستؤدي ولا شك إلى جذب كل المترددين إلى العمل في ساحة السوق الاقتصادي الصيني الذي يتحرر من إطار النظرية الماركسية باطراد. أين العالم العربي؟ هذه الحماية القانونية الجديدة التي ستحظى بها أموال الاستثمار الأجنبي في الصين، تترافق مع تزايد أخطار الحجز والمصادرة التي تتعرض لها أموال الاستثمار العربي في الغرب عموماً، وفي الأسواق الأميركية على وجه الخصوص. وفي ظلال وضع مثل ذلك يستغرب المراقبون اصرار المستثمرين العرب على استمرار بقاء أموالهم في الأسواق الأميركية، وعدم تفكيرهم في تقليد المستثمرين الغربيين أنفسهم في نقل أموالهم إلى الصين، حيث أدركت معظم الشركات متعددة الجنسيات ـ وأكثرها أميركية الأصل ـ أن الأرباح التي يمكن أن تجنيها من وراء الاستثمار في سوق الصين هي أضعاف ما يمكن أن تجنيه من الاستثمار في سوق راكد أو شبه راكد مثل السوق الأميركي. إن استمرار بقاء مجمل الاستثمارات العربية في الأسواق الغربية لا يمكن أن يُعد من قبيل التريث المحمود، لأن الخطر كل الخطر ربما يكمن في ذلك الريْث، وهو خطر مزدوج من حيث امكان التعرض للتجميد والحجز أو المصادرة جزئياً أو كلياً لبعض الاستثمارات، ومن حيث أن التأخر عن ولوج أسواق الصين سيضعف فرص نجاح الاستثمارات العربية في الصين، لأن رؤوس الأموال الغربية بما هو معروف عنها من نزعة شديدة نحو الاحتكار وإقصاء الآخرين، ستكون قد ثبتت أقدامها جيداً في الأسواق الصينية، الأمر الذي قد يتيح لها فرصة اقصاء الآخرين عن بعض أنجح فرص الاستثمار هناك أو التحكم في تصرفاتهم وإمكانات نجاحهم هناك. ومن ناحية المردود السياسي للعمل الاقتصادي فإن العالم العربي في حاجة إلى أن يبكر في الاستثمار في الصين، حتى تُرى آثار ذلك الاستثمار وتلحظ جيداً في الأوساط السياسية الصينية، وعند ذلك فقط تتهيأ فرصة ترجمة تلك الآثار إلى مردود سياسي يتمثل في مزيد من التأييد الصيني للقضايا العربية العادلة، والتدرج نحو إنشاء تحالف استراتيجي مستقبلي ما بين الصين من جهة، والعالم العربي والإسلامي من جهة أخرى. وبقدر ما تتسارع خطى الاستثمار العربي في الصين، بقدر ما يقترب إنجاز ذلك الهدف الضخم، وبقدر ما يتزايد حذر وتباطؤ المستثمرين العرب بقدر ما يتعذر إنجاز ذلك الهدف، فليس ثمة شيء في عالم السياسة الدولية يُمنح بالمجان، هذا وربما أدى اندفاع الشركات الأميركية إلى أسواق الصين إلى تحقيق هدف سياسي مضاد لآمال العالم العربي، وذلك بقيام تلك الشركات بترويج أجندة سياسية استراتيجية ضد العالم العربي والإسلامي لدى صُنّاع قرارات السياسة الخارجية الصينية. إن من المؤسف أن يقال، إنه حتى الآن لم يدخل العالم العربي ـ ولم تدخل أي دولة إسلامية فيما عدا باكستان ـ في مجال التعامل الاستراتيجي، استثمارياً، وتجارياً، وسياسياً، وعسكرياً مع الصين. ومن الغريب أن تكون دولة غير ذات اهتمامات استراتيجية طاغية، مثل المكسيك، تتفوق في مجال التعامل الاستثماري والتجاري مع الصين على إجمالي تعامل العالم العربي على ذلك الصعيد مع الصين. وأما سر اندفاع المكسيك وراء التعامل الاستثماري والتجاري مع الصين، فإنه يكمن أولاً في تقليدها لحركة الشركات الغربية متعددة الجنسيات التي أخذت تتسابق نحو الاستثمار بالأسواق الصينية، كما يكمن في إدراك القيادة السياسية في المكسيك لما سيؤول إليه مستقبل التعامل الاقتصادي مع الصين الكبرى، التي طوت تحت أجنحتها بمهارة سياسية تغبط عليها دويلة هونغ كونغ، ولن تلبث حتى تضم في المستقبل البعيد بين أطوائها دولة تايوان، وبذلك تصبح القوة الاقتصادية الآسيوية الأعظم بعد اليابان. الصين الاقتصادية الكبرى إن تعاظم الأداء الاقتصادي الصيني هو وحده الذي سيكفل للصين الشعبية في المستقبل تحقيق حلمها باستعادة تايوان، فمن المؤكد أن نجاحات الصين الاقتصادية ستنعكس على شكل قوة عسكرية مهولة تبسط هيبة الصين على أفق العلاقات الدولية وتمنحها قريباً من أقدار القوة السياسية الدولية التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأميركية على ذلك الصعيد، وتخولها بالتالي فعل ما تريد، وكذلك ستتمكن الصين بفضل هيبتها السياسية الدولية، من فعل ما تريد، وأهم ما تريده ـ لأسباب قومية ومصلحية اقتصادية ـ هو استعادة جزيرة تايوان إلى الوطن الأم، ولا شك أن اعتدال النظام الصيني في معاملته للأوساط الاقتصادية بهونغ كونغ، سيكون شفيعاً للصين لدى الأوساط الاقتصادية في تايوان، وحينها ستقبل تايوان طوعاً، بل ربما تقبل وبمبادرة منها بالدخول إلى بيت الطاعة الصيني. هذه الأقدار العظمى قد يتطلب انجازها ربع قرن من الزمان، يقل ذلك قليلاً أو يزيد، وليس ذلك بالأمد الطويل في عمر التبدلات البنيوية على مسرح العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية الدولية، وعندها سيواجه العالم قوة اقتصادية تتكون من تايوان بالإضافة إلى هونغ كونغ، بالإضافة إلى بر الصين أو الوطن الأم، وهذه هي الصورة الاقتصادية والسياسية التي تتهيأ كثيراً من أقطار الغرب بالإضافة إلى اليابان للتعامل معها منذ الآن، ويمكن إدراج المكسيك في هذا الإطار، فهل يمكن إدراج العالم العربي في هذا الإطار قبل فوات الأوان؟! معوقات الإدراك تصعب الإجابة عن ذلك السؤال بالإيجاب، وذلك لعدة أسباب تضبّب الرؤية، وتخلط الاحتمالات، أهمها إصغاء جموع المستثمرين العرب لنصائح مراكز البحث الاقتصادي في الغرب. وبتلك المراكز مستشارون لا يهمهم إسداء النصائح إلا بما يخدم مصالح الغرب الاقتصادية، ويعوّق مصالح العالم العربي السياسية والاستراتيجية، و من تلك الأسباب طبيعة التردد وعدم الحسم في العقل السياسي العربي، وهي طبيعة لا تتغير حتى في لحظات الخطر الداهم، بل إنها ازدادت تأصلاً عند ذاك، وازدادت ارتياباً وتجنباً لاتخاذ القرار المطلوب. ومن تلك الأسباب ضعف خبرات ومعارف العالم العربي عن الصين. فقلة قليلة جداً من العرب تجيد اللغة الصينية، أو تزور الصين، أو تقرأ عنها قراءة متخصصة على نحو من العمق باللغات الغربية، وقلائل من العرب من يهتمون حتى بمطالعة ومتابعة أخبار ما يجري في الصين. وهذه مصاعب ومتاعب مضنية تحول دون التحول السريع للأموال والامكانات الاقتصادية العربية نحو الصين. وهي معوقات تحتاج إلى نوع من المعالجة الجذرية الرصينة الحازمة. وإذا كانت أموال العالم العربي لا تتحرك في معزل عن توجيه أو رضا الحكومات العربية، فإن الأوساط الاقتصادية والسياسية العربية لا بُد أن تعمل بالتضامن لحل ذلك الإشكال. وهنا فلا بُد من دراسة تجارب الآخرين أولاً في التعامل مع الصين، ومعرفة مدى النجاحات أو الإخفاقات التي أحرزوها في ذلك المجال، ودراسة الأساليب الاقتصادية المثلى للتعامل مع الأسواق الصينية ـ وهذه الناحية صدرت فيها كتب شتى خلال العقدين الأخيرين ـ ودراسة حاجات الاقتصاد الصيني للطاقة، وحاجات الأسواق العربية للمنتجات الزراعية والصناعة الصينية، بل وإمكانات اجتذاب مزيد من الاستثمارات الصينية إلى الأسواق العربية مثلما هو جارٍ بنجاح فائق في حالة الاستثمار الصيني في نفط السودان. وهذه القضايا لا بُد من دراستها بالترابط على نحو يكفل للعالم العربي تحقيق أهداف شتى منها: تأمين أمواله، ومصادر ثرواته، وعلاقاته الاقتصادية الدولية، وتنامي قدراته التأثيرية على أجندة السياسة الخارجية الصينية لصالح القضايا القومية العربية، حيث إن نفوذ الصين الدولي بعد ربع قرن من الزمان، سيتضاعف حجمه ربما بما يفوق نفوذ الدول الأوروبية مجتمعة، وذلك كسب ضخم ليس لصالح الصين وحدها، وإنما لصالح أقطار العالم الثالث أجمع، ومن بينها أقطار الوطن العربي. والأذكى هو من يبادر بخطب ود الصين منذ الآن. ـ أستاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة