الجمعة 29 شوال 1423 هـ الموافق 3 يناير 2003 لم يعد هناك شك في أن «خريطة الطريق» لتسوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي، التي اعتبرت منذ البداية أشبه بـ «قنبلة دخانية» اطلقتها واشنطن ـ باسم اللجنة الرباعية وبالاتفاق معها ـ لتسويق حربها ضد بغداد، قد ماتت تحت عنوان أنه تم تجميدها الى ما بعد الانتخابات الاسرائيلية في نهاية يناير الجاري. «رصاصة الرحمة»، كما يقال في وصف القتل المتعمد، أطلقت عليها بيد الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش عندما رفض في 20 ديسمبر الماضي طلب الاتحاد الأوروبي تسريع صياغتها بشكلها النهائي ونشرها على الملأ، مكتفيا بادخال تعديلات عليها، ومرفقا ذلك بانها لن تصبح نهائية الا بعد الانتخابات الاسرائيلية. يعني ذلك، كما قال ألوف بن في صحيفة «هآرتس» إن الصيغة المعدلة التي تتضمن امكان اقامة دولة فلسطينية فقط عندما تكون للشعب الفلسطيني «قيادة مستعدة وقادرة على انشاء ديموقراطية فاعلة تستند الى الحرية والتسامح ولا تكون موبوءة بالارهاب»، هي تأييد ضمني لموقف رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون من عزل رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات. وبالتالي لمعركته الانتخابية في وجه خصومه، وبخاصة منهم زعيم حزب «العمل» عمرام ميستناع. اغلاق متعمد والتطابق في المواقف بين بوش وشارون قديم ومعروف، كما أنه لجهة «خريطة الطريق» ليس جديدا بدوره. فقد سقاها هذا الأخير السم مرتين خلال الشهور الماضية، أولا برفضها من خلال ابداء تحفظات قاتلة على العديد من بنودها، ثم ثانيا بقبولها ولكن عبر نصب شرك لها، كما قال عكيفا ألدار في «هآرتس» تعليقا على ما وصف بأنه موافقة عليها. ثم ان بوش عمد الى التخلي عنها، وفق تعبير السفير الأميركي السابق في اسرائيل مارتن انديك، عندما قرر فجأة وضعها في يد أحد أعتى المؤيدين لشارون في ادارته بتعيين ايليوت ابرامز مديرا لمكتب الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الاميركي. «يبدو أن الادارة قررت التراجع عن الخطة. اذ لو كانت تستعد لدفع» خريطة الطريق «الى الأمام، فمثل هذا التعيين سيكون غير طبيعي»، هذا ما قاله انديك عن تعيين ابرامز، اليهودي مثله ولكن الأكثر تطرفا منه، في هذا المنصب. ففي كتاب لهذا الأخير بعنوان «ايمان أو خوف : كيف يستطيع اليهود ان يعيشوا في أميركا المسيحية»، لم ينتقد ابرامز الزواج المختلط بين اليهود والمسيحيين الأميركيين فقط وانما دعا يهود الولايات المتحدة لبناء ما وصفه بقضية مشتركة بينهم وبين المسيحيين الانجيليين تقوم على دعم اسرائيل. ولعل هذا ما تجسده بوضوح في هذه المرحلة مواقف «المسيحية اليهودية» الأميركية التي تقول بعض صحف الولايات المتحدة الآن ان بوش الأبن جزء منها، أو أنه ليس بعيدا عنها على الأقل. كيف قتل شارون «خريطة الطريق» حتى من قبل أن ترى النور، وكيف أطلق عليها بوش «رصاصة الرحمة» في المدة الأخيرة ؟!. في خطابه في هرتسيليا نهاية شهر نوفمبر الماضي، والذي اعتبر «أول قبول علني من شارون باقامة الدولة الفلسطينية»، أطلق رئيس الوزراء الاسرائيلي أوصافا على «خريطة الطريق» تلغي منها الجدول الزمني، على عمومية هذا الجدول الذي يتحدث عن أعوام تنتهي العام 2005 حيث يتم اعلان الدولة الفلسطينية التي تبدأ عندها مفاوضات مع اسرائيل حول حدودها النهائية. كما أنها تلغي نقطتي الانسحاب الى ما كان عليه الوضع قبل بدء الانتفاضة في العام 2000، وتجميد الاستيطان الذي لم يتوقف أبدا طيلة الفترة الماضية. وعموما فان أوصاف شارون لـ «خريطة الطريق» تجعل مصيرها ـ كما قالت صحف اسرائيلية ـ مثل مصير خطة ميتشيل وتفاهمات تينيت وتوصيات زيني. أي مجرد حروف سوداء على ورق أبيض. وقبل الخطاب وبعده، كان شارون يصعد اعتداءاته العسكرية في الأراضي المحتلة، فيهدم المنازل جماعيا ويجرف الأراضي الزراعية عشوائيا ويصادر بعضها بدعوى بناء الجدار الواقي «جدار برلين الجديد»، كما يواصل اغتيال كوادر المنظمات الفلسطينية ونشطائها وحصاره الاقتصادي للمنطقة. فيمنع بالتالي أية امكانية لاجراء انتخابات فلسطينية، رئاسية وتشريعية، كانت مقررة في يناير الحالي. حتى اذا أعلنت السلطة تعذر اجراء الانتخابات في ظل مثل هذا الاحتلال، واضطرارها بالتالي الى تأجيلها الى ما بعد انتهائه، قامت القيامة مجددا ـ قيامة شارون وبوش معا ـ بطلب الاصلاح السياسي والاداري المفقود وبضرورة اجراء انتخابات رئاسية وتشريعية تسفران عن قيادتين جديدتين، يمكن الاتفاق معهما على «خريطة الطريق» الموهومة. في هذه الأثناء كان بوش يوفد مساعد وزير خارجيته وليم بيرنز في رحلات مكوكية الى دول المنطقة، والى الأطراف الأخرى في اللجنة الرباعية «الاتحاد الاوروبي وروسيا والأمم المتحدة»، محاولا اقناعها بادخال تعديلات على المسودة الأولى للخريطة تكون متوافقة مع رغبات شارون، سواء في حملته الانتخابية الراهنة أو في مسعاه المقبل لتشكيل حكومة، ستكون حتما من اليمين واليمين المتطرف، من أجل مواصلة ما بدأته الحكومة السابقة. الرهان المقبل ماذا في هذه التعديلات ؟!. ما كشفته السلطة الفلسطينية عن التعديلات يؤكد الحقيقة السالفة الذكر بوضوح بالغ : فهي تغفل تماما ما ورد في المسودة الأولى عن تجميد الاستيطان، علما أن التجميد كما ورد كان يغفل تماما أيضا ماذا سيكون عليه وضع المستوطنات القائمة التي تجعل الأراضي المحتلة عبارة عن كانتونات معزولة احداها عن الأخرى بشكل كامل. وهي تتشدد في مطالبها من الفلسطينيين، في ما يتعلق بالأمن الاسرائيلي والعمليات الفدائية والاصلاح الاداري والسياسي، بينما لا تطالب اسرائيل الا بالعمل على تخفيف المعاناة الاقتصادية للشعب الفلسطيني عبر الافراج عن الأموال العائدة له من استيفاء الرسوم والجمارك والمقدرة بعشرات الملايين من الدولارات. وهي تؤيد عزل عرفات من رئاسة السلطة الفلسطينية، كما يريد شارون، بينما كانت المسودة الأولى تكتفي بالحديث العام عن اجراء اصلاحات سياسية وادارية وأمنية في السلطة الفلسطينية. الجديد الوحيد في التعديلات «ويبدو أن هدفه تهدئة بعض المواقف العربية» يتمثل في النص، ولأول مرة، على اعتبار مبادرة السلام العربية التي تبنتها قمة بيروت في مارس الماضي احدى مرجعيات «خريطة الطريق»، الى جانب مؤتمر مدريد وقرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض في مقابل السلام، هذا «الجديد» هو الهدف الأميركي في كل حال «وكان هدف «خريطة الطريق في الأصل من أجل تمرير الحرب المنتظرة ضد العراق في الأسابيع المقبلة ـ في فبراير كما يقال ـ بأقل ضجة عربية ممكنة. بل ان الأميركيين انفسهم لا ينكرون ذلك، عندما يتحدثون عن «صيغة نهائية» للخريطة فقط بعد انتهاء الانتخابات في اسرائيل، في الموعد ذاته تقريبا، لكي يكون بعد ذلك ما تشاء واشنطن وتل أبيب أن يكون !!. يصب في هذا السياق مباشرة، وللغاية ذاتها طبعا، التحرك المفاجئ لحكومة توني بلير في بريطانيا ـ الشريك الكامل للولايات المتحدة في حربها على العراق ـ لدعوة الفلسطينيين والاسرائيليين، وكذلك السعوديين والمصريين وربما غيرهم أيضا، الى لندن للبحث في الخطوة التالية على طريق التسوية. وعمليا فعندما يأتي هذا التحرك البريطاني بعد بروز خلاف بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول «خريطة الطريق»، عبر عنه وزير خارجية الدانمرك التي ترأس الاتحاد الأوروبي حاليا بعد الاجتماع بين اللجنة الرباعية وبوش، فان توقيت التحرك يعطيه بعض معناه. وعندما يرحب عرفات بالدعوة البريطانية، فتسارع لندن الى اعلان ان هدف الدعوة هو البحث في الاصلاحات المطلوب ادخالها على السلطة الفلسطينية «أي عزل عرفات»، فان المضمون بدوره يعطي هذا التحرك بعض معناه الآخر. وهذا المعنى، مرة أخرى، لا يخرج عن الهدف الأميركي اياه : تمرير الحرب على العراق بموافقة عربية، أو أقله من دون اعتراض جدي عليها، لكن حتى من دون أي التزام بما سيكون بعدها على مستوى عملية التسوية. وهكذا فالمشهد السياسي للمنطقة العربية الآن، هذا المشهد الذي صاغه بوش وشارون معا وبتوافق كلي، يقول ما يأتي : حرب أميركية مؤكدة على العراق، بكل مخاطر هذه الحرب سواء على خريطة المنطقة أو على قضاياها أو على مستقبلها، 2 ـ لا انتخابات رئاسية أو تشريعية فلسطينية، وبالتالي لا اصلاحات سياسية وادارية وأمنية، بسبب استمرار احتلال اسرائيل للأراضي الفلسطينية وممارساتها القمعية فيها، 3 ـ لا خطة جدية للتسوية، أميركية أو بريطانية أو على صعيد اللجنة الرباعية، ما بقيت الاصلاحات الفلسطينية المطلوبة اسرائيليا وأميركيا في الغيب. 4 ـ المطروح فقط هو صيغة معلقة في الهواء لـ «خريطة طريق» معلقة بدورها، أو هي ميتة نظريا وعمليا، تنتظر تغييرا شاملا في المنطقة ـ يؤدي الى القبول بما ليس مقبولا حتى الآن ـ بعد أن يحدث التغيير المطلوب في العراق. تعرف الولايات المتحدة جيدا، وكذلك اسرائيل، مدى الوهن الذي حل بالأمة العربية بعد حرب الخليج الثانية. وهما لا تراهنان الآن الا على المزيد منه، أي على الاستسلام العربي الكامل، بعد الحرب المقبلة. والصيغة النهائية لـ «خريطة الطريق»، المؤجلة الى ما بعد الانتخابات الاسرائيلية والحرب ضد العراق، لن تطلب من العرب أقل من ذلك. ـ كاتب لبناني