الجمعة 29 شوال 1423 هـ الموافق 3 يناير 2003 مضى زمن طويل والاحساس بأهمية الوقت غائب عن هذه الامة المترامية الاطراف مما ادى الى غياب وجود اهداف طموحة لدى الشرائح من ابناء المجتمعات العربية كانت قادرة لو تعاملت مع الزمن بذكاء ان تدفع بمجتمعاتها الى مواقع متقدمة على خارطة العالم خاصة بعد ان رحل المستعمر، وفارق الارض غير مأسوف عليه، ولا على ايامه الحالكة السواد. وقد كان حريا بالبلاد العربية ان تبادر في استدراك مافات، وان تبدأ بالعمل الفوري في سد الفجوة المعرفية والانتاجية التي تفصل بيننا وبين العالم المتمدن، لكن الذي حدث كان شيئا مخيبا للآمال ويبعث على السخرية من طريقة التعامل مع التركة الاستعمارية التي لم تكن سوى مشاكل اقتصادية وجغرافية وثقافية بالغة التأزم كان يستدعي علاجها وجود خطط للانقاذ تضع في حسابها الزمن كأحد الموارد التي لا تقدر بثمن لتسخره في صالحها لا في صالح اعدائها من جديد. والشيء الذي لم تحسب له الشعوب الحساب ان ضريبة هذا التقاعس والخمول سوف تدفع ثمنها الاجيال التالية التي تربت على فقدان الشعور بالزمن، وورثت بالضرورة حسب سنن الطبيعة تلك التركة الثقيلة التي خلفتها سنوات الاسترخاء والغفلة، بينما قطع العالم المتمدن اشواطا من السير في طريق النمو والتطور بعد ان حسم امره منذ زمن طويل ومضى يسابق الريح كي يستثمر كل لحظة وكل دقيقة من دقائق الزمن المحدود الذي رآه موردا مجانيا متاحا للجميع، وليس عليه ضريبة في اول الامر، لكن سرعان ما يتحول هذا المورد المتاح للجميع الى عامل من عوامل الهزيمة وانحسار المد الحضاري اذا ما عومل بطريقة متخلفة، ومورست معه أنواع الهدر والتسويف، حينها يتحول الافراد والجماعات الى مجرد حفنة من البشر تقتات على ما يصنع الاخرون دون ان تجد لديها الهمة التي تدفعها للمشاركة في صناعة حاضرها والاعداد لمستقبلها الذي غاب عن الحضور في جدول اعمالها المبهم المبتعد عن تبني الاهداف الكبرى. ولقد فهم الشرق والغرب الذي اذهل العالم بصناعاته الخفيفة والثقيلة وبتقنيته الفائقة التقدم ان الزمن يمكن ان يتحول الى واحد من اكبر مصادر القوة والتأثير اذا ما كان خط انتاج شعب من الشعوب موازيا لحركة الزمن بحيث يمضي الاثنان في تقدم لا تخلف معه ولا ابطاء او انحراف او وقوف عن السير الى الامام ولو لحظة واحدة، وذلك شأن الزمن كما خلقه الله، وتلك آلية توظيفه في خدمة الاهداف الكبرى، وتحقيق الآمال والطموحات والاحلام. ولقد برعت امم الشرق والغرب في تكييف برامجها التنموية وخططها الاستراتيجية والقومية بما يتناسب مع الاهداف الكبرى لمجتمعاتها ودولها ووفرت لأجل تحقيق تلك الاهداف كافة العوامل والعناصر الفاعلة، ومنها العمل تحت ضغط الزمن، والانجاز في أقصر وقت ممكن، واختيار سقف زمني محدود غير قابل للاطالة والتمديد الا في شروط خاصة وظروف استثنائية قاهرة، واصبحت قاعدة (العمل تحت ضغط الزمن) هي القاعدة الذهبية في ادارة الوقت القادرة على توليد الطاقة المطلوبة لانجاز شتى المهمات والمسئوليات. وكما ان الموارد المالية يجب ان تخضع لنظام محاسبي صارم ودقيق لا يسمح بالهدر وتبديد الثروة القومية، ويفتح المجال للمزيد من خطط خفض الميزانية لحماية الدولة من اي تهديد مالي قد يعيق برامجها الطموحة، فكذلك الشأن مع الزمن الذي عومل بالكيفية نفسها وتم اعتماده كمورد لا يقل قيمة عن الخبرة البشرية المدربة، وعن الطاقة الانتاجية من المواد الخام، وعن العوامل الرئيسية الاخرى التي بها يكتمل وضع قاعدة صلبة لانجاح اي مشروع ريادي منتظر. والسؤال الذي يلح علينا: لماذا عرف الآخرون قيمة الزمن، واجتهدوا في توظيفه لصالحهم بينما الزمن لدينا شيء هلامي لا وزن ولا معنى له الا في حدود ضيقة اثبتت الايام انها لم تكن كافية على الاطلاق لادخالنا من جديد الى الهيمنة على حركة التجارة العالمية التي اصبح لها مستثمرون كبار يستثمرون الزمن قبل اي شيء آخر.